تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
هناك من لا يعرف هذا الأمر كما قلنا ، بل قد تجد اليوم سكّان مدن لا يعرفون عن زراعة الكثير من الأشجار والنباتات التي تشتهر في ريفهم وقراهم ؛ لأنّ أهل هذه المدينة لا يمارسون هذه الزراعات ، علماً أنّ النبي صلى الله عليه وآله ما كان يعرف عنه أنه كان زارعاً ، وإنّما المروي - بصرف النظر عن صحّة الرواية - أنه كان تاجراً أو راعياً ، فما هو الغريب في أن لا يطّلع على هذا الأمر في ذلك الزمان ، وقد عاش ردحاً طويلًا من عمره مختلياً بغار حراء ومتعبّداً ومتأملًا ، ولم يكن ممّن خاض تفاصيل حياة الناس وطبيعة أعمالها بالشكل الذي يريده المناقش هنا . من هنا ، إذا صحّ استبعاد عدم علمه فهو مجرّد احتمال فرضي ، لا يرقى إلى مستوى إسقاط حجية الرواية التاريخيّة على تقدير عدم وجود خلل صدوري أو مضموني فيها . ثانياً : ما ذكره السيد جعفر مرتضى العاملي من وجود اختلاف في نقل الخبر ، وهذا يشكّكنا في صحّته وصوابه « 1 » . والاختلاف الذي يشير إليه جعفر مرتضى موجود ، كما ذكرنا ؛ إذ هناك خمس صيغ للحديث ، كما يظهر بالتتبع والمراجعة ، حتى أنّ مسلم بن الحجاج نفسه ينقل لنا ثلاثاً من هذه الصيغ ، لكنّ ذلك لا يستوجب إسقاط الحديث ، ونحن نعرف أنّ النقل - لا سيما عن النبي صلى الله عليه وآله - كان بالمعنى ، لا بالنصّ الحرفي ، وليس من البعيد أن يكون كلّ راوٍ نقل حسب ذاكرته ، والفكرة متقاربة جداً ، وليس في النقل تناقض حتى يوجب سقوط الخبر ، وإنّما اختلاف في التعابير تارةً مثل : « أنتم أعلم بأمر دنياكم » ، و « إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به » ، وأخرى في الزيادة والنقيصة ، علماً أنّ إحدى الصيغ الخمس لم أعثر عليها في المصادر الحديثية ، وإنّما ذكرها النووي في كتاب المجموع . فهذا الاختلاف في النقل قد يؤثر على درجة الوثوق ، لكنّه لا يسقط الخبر نهائياً . علماً أنه لو تمّت بعض الأسانيد أو أحدها على الأقلّ ، فيمكن ادّعاء أن سائر الصيغ اختلفت ،
هامش
( 1 ) الصحيح من سيرة النبي الأعظم 4 : 169 .