فنأخذ بالتام سنداً ونذر الباقي لا سيما بناءً على حجيّة خبر الثقة .
وإذا كان هذا القدر من الاختلاف يسقط الروايات عن الحجية والاعتبار ، فإنّنا نسأل عن ظاهرة الاختلاف الواسعة الموجودة في مصادر الحديث الشيعيّة ، فهل سنتعامل معها بهذه الطريقة ؟ ! وهل يتعامل معها المناقش هنا كذلك ؟ !
ثالثاً : ما ذكره بعض الناقدين أيضاً ، حيث سجّل نقداً متنيّاً آخر على الحديث ، وذلك أنّنا لا نفهم لماذا يتدخل النبي صلى الله عليه وآله في أمر لا يعنيه ويفسد على الناس زرعهم ومحصولهم الزراعي ، مع أنّه ليس من اختصاصه هذا الأمر ؟ ! ومن يتحمّل هذه الخسائر التي نجمت عن هذا الرأي الذي قدّمه النبي ؟ « 1 » .
وهذا الإشكال يمكن للطرف الآخر الجواب عنه ، بأنّ بعض الروايات هنا - ومن جملتها ما نقله مسلم - تفيد اعتذار النبي عمّا حصل ، وأنه إنّما كان هذا ظنّه ، وأنه عندما يقول شيئاً من رأيه فإنّما ينطلق فيه من موقع كونه إنساناً بشراً ، فقد تصوّر الرسول هذا الأمر ، فقدّم فكرته قاصداً الخير ، وقد تكون المشكلة منهم ، حيث ظنّوا أنّ ذلك أمراً متعبّداً به ، فالتزموا ، فيما لا يكون هو نفسه قاصداً أن يلتزموا بكلامه .
وبعبارة أخرى ، إن بعض المداخلات هنا تنطلق من موقف عقدي مسبق ومن صورة مسبقة منسوجة حول شخصية الرسول قبل مطالعة هذه النصوص ، في حين يفترض أن تؤخذ هذه النصوص شريكاً في تكوين الصورة ، لا أن تكوّن قبلها ، فإذا عارضت قرآناً أو نحوه طرحت ، ومعه فأيّ مانع من أن يكون الرسول قد ظنّ هذا الأمر فانطلق من موقع إرادة الخير والنصيحة فحصل ما حصل ، ولعلّه ضمن لهم بعد ذلك ، أو لعلّهم غضّوا الطرف عن خسارتهم ، أو لعلّه لا ضمان عليه ؛ لأنه لم يأمرهم حتى يلحقه ما يسمّى في الفقه الإسلامي بضمان الأمر ، وإنّما نصحهم ، وفي مثل مورد النصيحة إذا لم يكن هناك تغرير لا ضمان أساساً ، ووقوعهم في الغرر ناشيء من ظنّهم
هامش
( 1 ) الصحيح من سيرة النبي الأعظم 4 : 169 ؛ والورداني ، دفاع عن الرسول : 265 .