وعي الصحابة حول تنوّع مواقف النبي ، وإلا فما معنى هذا السؤال من سعد للنبي : هل كان قراره لوحي أم لرغبة أم لمصلحتهم ؟ ! واللطيف أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أخذ بوجهة نظر سعد وإصراره وعزيمته ومزّق الكتاب أو محا ما فيه .
إنّ مجموعة هذه النصوص كلّها تتكاتف لتؤكّد أنّ الارتكاز المتشرعي آنذاك كان قائماً على التمييز المذكور .
والخبر من الناحية السندية مرسل ؛ فهو يرجع إلى محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ( 124 ه - ) وإلى عاصم بن عمر بن قتادة ( 129 ه - ) ، وهما من التابعين المتأخرين ، ولا يذكران مصدر هذه القصّة المطوّلة التي ينقلانها ، من هنا يكون السند ضعيفاً ، بعد عدم إحراز أخذهما لها من أحد الصحابة ، بل وعدم ثبوت عدالة مطلق الصحابي ، لكنّه على أيّة حال خبر تاريخي يحمل قوّته الاحتمالية الخاصّة به .
قراءة موسّعة في حديث تأبير النخل
الدليل الحادي عشر : حديث تأبير النخل الذي يعدّ من الأحاديث المشهورة في هذا المجال ، وقد أخذ شهرة عامّة في الوسط السني وله تداول كبير إلى عصرنا الراهن ، وقد اعتبر هذا الحديث واضح الدلالة على أنّ النبي مثله مثل سائر الناس في أمور الدنيا ، بل هناك من قد يكون أكثر خبرةً منه فيها .
ونصّ الخبر - طبقاً لأحد منقولات صحيح مسلم الذي يعدّ أهم مصدر لهذا الخبر - هو : أن النبي صلى الله عليه وآله مرّ بقوم يلقحون ، فقال : « لو لم تفعلوا لصلح » قال : فخرج شيصاً « 1 » ، فمرّ بهم فقال : « ما لنخلكم ؟ ، قالوا : قد قلت كذا وكذا . قال : أنتم أعلم بأمور دنياكم « 2 » .
وقد نقل الخبر عن كلٍّ من : أنس بن مالك ، وطلحة ، ورافع بن خديج ، وعائشة
هامش
( 1 ) هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفاً .
( 2 ) صحيح مسلم 7 : 95 .