تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
أخيه شيئاً فإنّما أقطع له قطعة من النار » « 1 » . فهذه الصيغة الأخرى للخبر لا يوجد فيها تعبير القضاء بالرأي فيما لم ينزل عليّ ، وهنا وإن احتمل تعدّد صدور هذه الجملة من النبي ، مرّةً بهذه الصيغة ومرّةً بتلك ، إلا أنّ تشابه التعبير جداً قد يجعلنا نتوقّف دون تحصيل الوثوق بصدور ذلك التعبير منه صلى الله عليه وآله . وعليه ، فالاحتجاج بهذا الخبر غير صحيح . الدليل التاسع : ما ورد في بعض مصادر التاريخ والسيرة ، من أنّ النبي لما نزل دون بدر ، وأتاه خبر قريش ، استشار الناس ، فأشار عليه أصحابه ، ثم قال الحباب بن المنذر : يا نبي الله ! أرأيت هذا المنزل ، أمنزلٌ أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّم ولا نتأخر عنه ، أم هو الحرب والمكيدة ؟ فقال : بل هو الحرب والمكيدة . قال : فإنّ هذا ليس لك بمنزل ، فانهض حتى نأتي أدنى قليب إلى القوم فنزله . . . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : « أشرت بالرأي » « 2 » . فهذا الخبر يؤكّد أن السائد في ثقافة الصحابة أنهم كانوا يميّزون في قرارات الرسول صلى الله عليه وآله بين أمور صدرت عنه عن وحي فلا يتعدّونها بل يتعبّدون بها ، وبين أمور أخرى كانوا لا يرون لها ارتباطاً بالوحي ، لهذا سأل الحباب بن المنذر النبيَّ عن طبيعة هذا القرار الذي اتخذه ، ولم يعترض النبي عليه ، بل بدّل قراره لموقف حباب ، وهو موقفٌ عدّ أحد مفاخره التي يتحدّث بها عنه في سيرة حياته . وهذا الخبر له دلالة جيدة جداً ، لا سيما على ارتكاز هذا الوعي في الذهن المتشرعي
هامش
( 1 ) مجمع الزوائد 4 : 198 . ( 2 ) انظر : سيرة ابن هشام 2 : 452 ؛ وتاريخ الطبري 2 : 144 ؛ والعسكري ، تصحيفات المحدثين 2 : 405 - 406 ؛ والدرر في اختصار المغازي : 105 ؛ وشرح ابن أبي الحديد 14 : 116 ؛ وابن العربي ، أحكام القرآن 391 ؛ وتفسير القرطبي 7 : 374 - 375 ، وقاموس الرجال 12 : 108 - 109 ؛ وتاريخ ابن الأثير 2 : 122 ؛ وتاريخ الذهبي 2 : 53 ؛ وتاريخ ابن خلدون ج 2 ، ق 2 : 20 .