الدليل السادس : الاستناد إلى الحديث الشريف المشهور : العلماء ورثة الأنبياء « 1 » ، عبر القول بأنّ النبي كان متعبّداً بالاجتهاد ، وإلا لما ورث الفقهاء ذلك عنه « 2 » .
والجواب : إنّ هذا الحديث يثبت حصول وراثة ما من الأنبياء يحصل بها العلماء على إرث معين ، ولا يوجد في هذه الرواية إطلاق ، فهي جملة خبرية ، وهذا معناه أنّ الرسول ورّث العلماء إرثاً عظيماً ، فقد أخذوا عنه ما عنده ممّا لم يختصّ به ، لكنّ هذا لا يدلّ على أنّ كل ما عند العلماء هو من الأنبياء ، فهذا الاستدلال يمكن أن يكون لمياً لا إنياً بالاصطلاح المنطقي ، بمعنى إذا ثبت أنّ للأنبياء مقاماً ما يمكن إثباته للعلماء - بصرف النظر عن المناقشات في هذا الموضوع - لكنّ الخبر لا يثبت أنّ ما يكون عند العلماء فقد أخذوه حتماً من الأنبياء ، فهذا خلاف الممثّل به ، وهو ظاهرة الإرث بين الناس ؛ فإنّ ما عند الميت يأخذه الحيّ وليس كل ما عند الحي هو من الميت . فالاستدلال هنا غير صحيح ، ولو تمّ الحديث سنداً ، وهو تام .
الدليل السابع : ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حجّه من قوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة « 3 » ، فهذا الخبر - مع بعض الاختلاف في صيغ نقله - لكنه تام السند عند الشيعة والسنّة ، حتى عبّر صاحب منتقى الجمان عنه بأنه ورد من طرق كثيرة « 4 » ، وهو يدلّ على أنّ الرسول كأنّما بعد أن ساق الهدي مدّة ، فضّل أن لو لم يسقه ، وهذا التعبير : استقبلت من أمري ما استدبرت متعارف في لغة
هامش
( 1 ) انظر : الكافي 1 : 32 ؛ وصحيح البخاري 1 : 24 - 25 ؛ وغيرهما من المصادر .
( 2 ) الآمدي ، الإحكام 4 : 400 و . .
( 3 ) انظر : الكافي 4 : 245 - 246 ؛ وصحيح البخاري 2 : 171 - 172 ؛ وصحيح مسلم 4 : 34 ؛ وعوالي اللئالي 1 : 213 ؛ وبحار الأنوار 96 : 138 - 139 ، 337 ؛ وجامع أحاديث الشيعة 10 : 333 ؛ والشافعي ، اختلاف الحديث : 567 ؛ والمسند : 195 - 196 ؛ ومسند ابن حنبل 3 : 320 ؛ وسنن أبي داوود 1 : 426 ؛ وإمتاع الأسماع 2 : 109 ، و 9 : 26 - 27 و . .
( 4 ) الشيخ حسن ، منتقى الجمان 3 : 108 .