رسول الله كان يقصد التشديد في ترك ما فعلوه وعدم العودة إليه ؛ في قصّة معروفة حرّم فيها لحم الحمر الأهلية في خيبر ، ونحن نعرف - كما شهدت بذلك روايات أهل البيت أيضاً - أنّ تحريم الرسول للحوم الحمر الأهلية كان تحريماً ولائياً حكومياً وليس إلهياً تبليغياً ، بمعنى أنّ الظرف هو الذي فرض تحريم هذه الحمُر ، إذ لو أكلوها لما وجدوا ما يركبون ، ولعسر على المسلمين العودة إلى المدينة المنورة ، وهي بعيدة عن خيبر ، لهذا حرّم الرسول تحريماً مؤقتاً لحم الحمر الأهلية .
وفي هذا المناخ يجب فهم هذا النص ، فالرسول كان يريد أن يقطع المجال على فعل هذا الأمر ؛ لما فيه من ضرر على المسلمين هناك ، لهذا طلب بقلع هذا الواقع وعبّر بوجوب الإهراق والكسر ، ولا يريد الرسول من الأصل بيان حكم شرعي هنا ، فهل يحتمل أنه لم يجز كسرها ، بل الواجب الإهراق ثم الكسر ؟ ! وهل هي أحكام تعبديّة ؟ فالذي نفهمه أنّ النبي كان يريد التشدّد في الموضوع ، فطلب الكسر كي لا يعودوا مرةً أخرى لذلك ، ولما طلب منه هذا المسلم الغسل خفّف الرسول من الشدّة ، كي لا يضرّهم ما دام وجد أنهم سوف يلتزمون بالأمر ، فعندما قبل النبي بخيار الرجل المسلم لم يتراجع أساساً ، وإنما اعتبر أنّ مقصوده قد وصل ، والتدقيق الفقهي هو الذي أوحى لنا أنّ هناك نسخاً هنا أو ما شابه .
وبهذا يتبيّن أنّ هذا الحديث إنما يعبّر عن حالة بيانية متشدّدة أرادها الرسول لتقطع المجال أمامهم عن أن يفعلوا ذلك أو يكرّروه ، ولمّا وجد مقترحاً آخر قَبِل به ، لا لأنّ الحكم كان هو الكسر ، بل لأنّ الحكم كان عبارة عن عدم تكرار ما حصل بأيّ شكل من الأشكال الأمر الذي يبرّر الصيغة المتشدّدة التي قدّمها الرسول .
وإذا لم يصحّ هذا الفهم للخبر فإنه عندي مشكل ، إذ أيّ نسخٍ هذا يقع بين ثانيةٍ وأخرى ، فقبل كلام الرجل كان الحكم هو الكسر وبعده تغيّر ؟ ! فإذا لم نفهم الحديث بالطريقة التي بيّناها والتي لا تفيد اجتهاد النبي فإنّ أصل الحادثة يصبح مشكوكاً ؛ لأنها غير منطقية .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 446
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٤٦