محمد بن عكاشة ، وهذا الرجل شهد عليه غير واحد من أئمة الرجال بالكذب والوضع ، فقد وصفه الفتني بالكذاب الواضع « 1 » ، ونقل الرازي عن أبي زرعة وصفه بأنه كذاب ، بل وغيره من العلماء تحدّثوا عنه بذلك « 2 » ، أما شيعياً فهو رجل مجهول جداً ، وعليه ، فالخبر ضعيف ، بل لم نجده في أمّهات مصادر الحديث ولا التاريخ ، لا الشيعي ولا السني ، لهذا لا يجدر الاعتماد على مثل هذا الخبر في مثل هذا الموضوع .
الدليل الثالث : خبر جذامة بنت وهب ، قالت : حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله في أناس وهو يقول : لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أنّ فارس والروم يصنعونه ، فلا يضرّ أولادهم « 3 » .
وذلك أنّ هذا الخبر يدلّ على أنّ النبي في بعض نواهيه كان يمارس حساب المصالح والمفاسد ، وهنا كان سيصدر حكماً بتحريم الغيلة التي تعني مقاربة الرجل زوجته وهي تُرضع ؛ لكنّه عاد واستذكر أنّ الفرس والروم يفعلون ذلك دون أن يحصل ضررٌ نتيجة ذلك على أولادهم ، لهذا لم يجد ما يفرض التحريم ، فأعرض عنه ، وهذا كلّه يؤكّد أنّ النبي كان يجتهد في بعض ما كان يُصدره من أحكام .
بل لو مشينا مع هذه الرواية ، لدلّت على وجود مجال لافتراض أنّ بعض الأحكام الشرعية التي أصدرها النبي كانت اجتهادية من عنده ، ولم تكن عن وحي إلهي .
والملاحظة التي ترد على هذه الرواية ، أن الراوية لها هي جذامة ( جدامة ) بنت وهب ،
هامش
( 1 ) الفتني ، تذكرة الموضوعات : 189 .
( 2 ) الجرح والتعديل 8 : 52 ؛ وانظر حوله : تاريخ ابن عساكر 54 : 228 - 234 ؛ وابن الجوزي ، الموضوعات 2 : 97 ، و 3 : 34 ، 195 ؛ والذهبي ، ميزان الاعتدال 3 : 477 ، 650 ؛ وسبط ابن العجمي ، الكشف الحثيث : 219 ، 240 ؛ والعسقلاني ، لسان الميزان 5 : 286 - 289 و . .
( 3 ) انظر : مسند ابن حنبل 6 : 361 ؛ والمدوّنة الكبرى 2 : 407 ؛ وسنن الدارمي 2 : 147 ؛ وصحيح مسلم 4 : 161 ؛ وسنن أبي داوود 2 : 224 ؛ وسنن الترمذي 3 : 274 ؛ وسنن النسائي 6 : 106 - 107 ؛ وسنن البيهقي 7 : 465 و . .