1 - 2 - 2 - الأدلة النقلية الحديثية والتاريخية ، مطالعة وتقويم
ذكرت عدّة أدلّة نقلية من الحديث والتاريخ لتأييد نظرية الاجتهاد النبوي ، وأهمّها :
الدليل الأوّل : المعلومات التاريخية الكثيرة التي تدلّ على أن النبي استشار أصحابه مراراً وتكراراً ، وأنه كان يفعل ذلك دوماً ، لاسيّما في قضايا السلم والحرب ، ولا معنى لهذه الظاهرة سوى أنه كان يحصل على بعض المواقف من خلال أخذ الآراء من الآخرين والنظر فيها ، وإلا لو كان ينزل عليه الوحي فيها لما كان بحاجة إلى ذلك ، بل لطالبه الصحابة بأن ينتظر الوحي ولا يسألهم ، والوحي حاضر عنده « 1 » .
وهذا الدليل يمكن التعليق عليه على نحو الإجمال - أي بصرف النظر عن الشواهد الجزئية التي قد تكتنف هذا الحدث التاريخي أو ذاك - بأنّ مجرد استشارة النبي للصحابة بوصفه حدثاً تاريخيّاً ليس دليلًا في حدّ نفسه على الاجتهاد النبوي ، لو صرفنا النظر عن الآية الكريمة المتقدّمة الواردة في المشاورة ؛ وذلك أنّ من المحتمل في الفعل النبوي هذا أن يكون لكسب الآراء والاستفادة من وجهات النظر ، لكنه يحتمل أيضاً احتمالات أخرى ، قد يكون أبرزها أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمارس فعلًا تربوياً مع الصحابة ، بمعنى أنه كان يريد إشراكهم في الرأي واستنهاض هممهم للتفكير ودفعهم إلى تبنّي مواقف ، في محاولة منه لتنضيج مشاركتهم السياسية والاجتماعية وتحميلهم مسؤوليات في اتخاذ القرار ، حتى إذا غاب عنهم استطاعوا أن يفعلوا شيئاً ، ولا يظلّون بحيث لا يفهمون ما يفعلون . وهذا الأسلوب أسلوب تربوي تعليمي ناجح يُعمل به حتى في العصر الحاضر ، فأنت تريد أن تدفع أولادك للتفكير وتنضيج العقل والتمرّن على اتخاذ القرار وخلق حسّ المسؤولية في نفوسهم ورفع مستوى الثقة بأنفسهم من خلال إشراكهم ولو في بعض الأمور ، من هنا ، ورغم علمك بضعف آرائهم وعدم وصولها إلى المستوى الناضج المطلوب ، لكنك تقوم بتدريبهم عملياً من خلال استشارتهم في
هامش
( 1 ) انظر : نصر حامد أبو زيد ، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية : 125 .