لقائد المسلمين وفقيههم وفيلسوفهم : استشر في أمور البلاد وصيانة العباد ، فإنه لا يفهم أحد منها سوى الاستشارة السابقة على تحصيل الرأي ، نعم الاحتمال الآخر موجود هنا أيضاً ، لكن لما كان ما بأيدينا ظهورات لفظية وأفهام عرفية فإنّ الاحتمال الآخر لا يضرّ أصل وجوده بمستوى الظهور ما لم ندعمه بشواهد من الداخل بشكل أو بآخر .
من هنا ، قد يصعب الاعتماد على الفعل النبوي هنا ، إلا إذا تابعنا الروايات التاريخية بأجمعها ورأينا فيها وفي ثناياها ما يبعّد هذا الاحتمال التعليمي وغيره ، وسوف نعرّج - إن شاء الله - على بعض النماذج القليلة ؛ لأنّ الأدلّة التاريخية والحديثية الأخرى يوجد في بعضها ما يتصل بفعل الاستشارة النبوي .
وعليه ، فالاستدلال بالاستشارة النبوية ، استدلالٌ غير تام بشكل ناجز ، بل هو معلّق على شواهد جزئية تاريخية تتصل بهذه الاستشارة أو تلك .
الدليل الثاني : ما رواه الشعبي ، عن النعمان بن بشير ، أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقضي القضية وينزل القرآن بعد ذلك بغير ما كان قضى به ، فيترك ما قضى به على حاله ، ويستقبل ما نزل به القرآن « 1 » . وقد ذكر الآمدي أنّ حكمه صلى الله عليه وآله بغير ما نزل به القرآن لا معنى له إلا أن يكون عن اجتهاد منه « 2 » .
لكن يجاب :
أولًا : قد يكون قضاء النبي السابق على نزول الآيات معتمداً على عمومات سابقة أو على شرع من قبلنا وعلى قواعد وأصول عامة ، ثم تأتي الآيات تتعرّض لتفاصيل توجب تغيّر الحكم ؛ فليس من الضروري أن يكون ذلك اجتهاداً منه ، وربما لهذا لم يكن يغيّر الحكم السابق ، أي أنّ هذه الرواية تدلّ على عدم وجود مفعول رجعي للقوانين ، ولعلّ هذا لكون القانون السابق حجّة ومعتبراً ، وقد نسخ أو طويت صفحته بالآية الجديدة .
ثانياً : إنّ في سند هذا الخبر - بعد عدم ذكر الآمدي سنداً له دون الأنصاري الهروي -
هامش
( 1 ) انظر : الأنصاري الهروي ، ذمّ الكلام وأهله 3 : 204 - 205 .
( 2 ) الآمدي ، الإحكام 4 : 399 ؛ والفراء ، العدّة في أصول الفقه 2 : 438 .