تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
سنّ معين ليتأهلوا لتحمّل مسؤولياتهم بعد الانفصال عنك بموتك أو زواجهم أو سفرهم أو . . . والقاعدة الأصولية التي سيأتي الحديث عنها في حجية الفعل النبوي تجعل الأفعال ذات دلالة صامتة ، فإذا احتملت أكثر من تفسير لها ، صار من الصعب الجزم بأحدها ما لم نحشد له شواهد عديدة ، والأمر هنا كذلك ، وهذا ما يميّز الفعل النبوي عن دلالات الألفاظ مثل الآية المتقدّمة حول المشاورة . ولا يقال هنا : إنّ هذا التفسير للاستشارات النبوية يجعل النبي كذاباً يمثل على الناس أخذ آرائهم فيما هو لا يكون مهتماً برأيهم ، وإنّما الرأي عنده ؛ لأنّ هذا التفسير لا يجعل تصرّف النبي قبيحاً بل يكون حسناً ذا بُعد تربوي ، ونحن نعرف في أكثر الأمور أنّه عندما يستشار مجموعة من الأصحاب فعادةً ما يكون الرأي المختار - ولو مسبقاً - موجوداً في أحد هذه الآراء ، ومن الطبيعي حينئذ أن يختار النبي واحداً منها ، وعند ذلك لن يكون تصرّفه قبيحاً بل تربويٌّ تعليمي . قد تقول : لماذا أصرّيتم عند البحث في آية المشاورة على دلالتها على الاجتهاد النبوي فيما تصرّون هنا على عدم دلالة الاستشارة النبوية على الاجتهاد ، مع أنّ الموضوع واحد ، فكما احتملتم أن تكون الاستشارة النبوية لأغراض تربوية تعليمية ، كذلك يمكن أن يكون الأمر بالمشاورة في الآية بغرض البُعد نفسه ، وهو البُعد التربوي التعليمي ، فما وجه التمييز بين الآية القرآنية والسيرة العمليّة ؟ ! والجواب : ما ألمحنا إليه آنفاً من أنّ الفعل النبوي دليل صامت وظاهرة غير ناطقة ، بمعنى أنّ مجيء الاحتمالات المعقولة فيها يبثّ فيها قدراً من الغموض ، أما الآية الكريمة فنحن نتعامل معها بوصفها كلاماً ناطقاً نعرضه على أهل اللغة والعرف والعقلاء ، ولهذا قلنا : إنّ العرف والعقلاء إذا فرّغت أذهانهم من الآراء المسبقة الآتية من خارج الآية ثم ألقيت عليهم هذه الآية ، فإنّ أوّل ما يفهمون من ثناياها هو المشورة السابقة على العزم واتخاذ القرار ، وهذا المعنى ظاهر عندهم في المشورة التي تحصّل العلم والمعرفة والرأي ، لا تلك التي يراد منها البُعد التربوي والتعليمي ، ولهذا لو قلت
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 439 | حيدر حب الله