ج - والاحتمال الثالث في نفسه جيّد ، وهو يبيّن بعض بركات التشاور ، لكنه لا يضرّ بالاستدلال بالآية في محل بحثنا .
د - والاحتمال الرابع يرجع إلى نظرية الملاينة التي تعرّضنا لها وأجبنا عليها .
ه - - أمّا الاحتمال الخامس ، فلا يبطل الاستدلال بالآية ، وإنّما يبيّن بعض حِكَمِها .
ومن مجموع ما تقدّم يتبيّن أنّ آية الأمر بالمشاورة ظاهرة عرفاً وعقلائياً في أخذ الآراء والاستفادة منها وترتيب العزم على الاستشارة ، فإنّ نفس العطف بالفاء في قوله :
( . . فَإِذا عَزَمْتَ . . )
. وجعلُ حال العزيمة - وهي حال نفسانيّة - متفرّعةً على الاستشارة ، معزّز عرفاً لجعل الاستشارة هنا لغاية تحصيل الرأي واتخاذ القرار . وهذا كلّه يعني أنّ الآية فيها ظهور أوّلي كاشف عن الأمر بالاستشارة المفيدة للعلم والرأي .
ويبقى بعد ذلك كلّه ، أن نحدّد المراد من الأمر في :
( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ )
، فقد قيل : إنّ المراد هو أمر الحروب ، ولكنّ الظاهر أنّ المراد منه هو القضايا العامّة للمسلمين ، والتي من أهمّها السلم والحرب ، ولو بشاهد مشابه وهو :
( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ )
، والتي تعني أنّ قضاياهم تكون شورى بينهم ، وبناءً عليه ، فتكون دائرة الاجتهاد النبوي هي كلّ شأن عام للأمة يتعلّق بواقعها الميداني .
نتائج البحث في الأدلّة القرآنية على الاجتهاد النبوي
نخرج من جولتنا السابقة بالنتيجة التالية وهي : إنّ أغلب الأدلّة القرآنية التي أقيمت على الاجتهاد النبوي غير تامّة ، والصحيح منها - بدرجات من قوّة الدلالة - هو : آيات سورة عبس ، والآية الآمرة بالمشاورة ، وعلى احتمالٍ آية العفو عن النبي لإذنه للبعض بالتخلّف .
لكن وقبل البتّ بالنتيجة ، لابدّ من استعراض الأدلّة الحديثية والتاريخية ، ثم ملاحظة أدلّة المانعين للاجتهاد النبوي ؛ لتقديم مقاربة شاملة للموضوع إن شاء الله تعالى .