أو قوله : فإذا اجتمع رأيهم على شيء فأمضه ، فيما نرى أنّ الآية الكريمة لم تقل ذلك ، وإنّما علّقت التوكّل على عزمه هو نفسه صلى الله عليه وآله ، لا على طبيعة الرأي الذي يقدّمه له أصحابه والمسلمون ، وهذا يؤكّد أنّ مشورتهم لم تكن فيها فائدة له « 1 » .
ويناقش هذا الكلام أيضاً بأنّ الشيخ المفيد كأنّه فهم من الأمر بالمشاورة إلزاميّة الشورى ، وهذا غير صحيح ، لهذا نحن لا نرى أنّ هذه الآية تفيد إلزاميّة الشورى على مستوى الفقه السياسي الإسلامي ، على خلاف قوله تعالى :
( وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ )
( الشورى : 38 ) ، التي يوجد مجال كبير لاستفادة إلزاميّة الشورى منها على تفصيل مطوّل يوكل إلى محلّه ، وذلك أنّ مجرّد أمر زيد بمشاورة الناس في أموره لا يعني إلزامه بالعمل بما يقوله له الناس أو أكثريتهم ، فنحن نحث بعضنا على التشاور ، وفي الأخلاق الإسلامية وفي الحكمة العملية حثٌّ على التشاور ، دون حاجة إلى جعل الشورى إلزامية ؛ لأنّ الأمر بالشورى لا يصبح عبثياً لو افترضنا عدم إلزاميّتها ؛ فإنّ الشورى في نفسها تنضيج للعقل وكسب للخبرات ، كما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام : ومن شاور الرجال شاركها في عقولها « 2 » . من هنا ، لعلّ الله أمر نبيّه بالشورى كي يستفيد من الآراء والخبرات ، كما يقال : إنه حصل في حادثة الخندق التي أشار عليه فيها بحفر الخندق سلمانُ الفارسي .
فأمره صلى الله عليه وآله بعد ذلك بالعمل بما عزم عليه لا يعني لغوية أمره بالمشاورة ؛ لأنّ العزم واتخاذ القرار بعد المشاورة يكونان ناضجين أكثر ، كما يكونان أكثر حسباناً للأمور وفهماً لها ، فلا منافرة بين تعليق التوكّل على عزمه الشخصي وبين الأمر بالمشورة بلا حاجة إلى افتراض إلزامية الشورى .
سادساً : إنّ المقصود بالمشاورة في الآية الكريمة هو الاستخارة .
هامش
( 1 ) الفصول المختارة : 32 ؛ وعلي بن يونس العاملي ، الصراط المستقيم 1 : 79 .
( 2 ) نهج البلاغة 4 : 41 .