تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
تعاقبهم فوراً ، ولهذا جاء العطف بالفاء :
( فَاعْفُ عَنْهُمْ )
، فالآية تريد أن تؤكّد حُسن صفة اللين في النبي وعدم الصلافة وخشونة القلب وقسوته في التعامل مع المؤمنين ؛ وأن لا يأخذهم بالشدّة والقسوة والعنف ، بل يعفو حيث يمكن ويستغفر حيث يمكن ، ولا يقسو إلا عند الحاجة ، وإلا فلو كان المراد التنديد بهؤلاء ، فأيّ معنى لوصف سلوك النبي معهم بأنه رحمة إلهية ، ثم يطلب منه العفو والاستغفار للمنافقين ، وأن يحيطهم بلينه ويستغفر لهم ويعفو عنهم ، ثم بعد ذلك يطلب منه أن يشاورهم ليكشفهم ويفضحهم ويميزهم ، أفهل هذا تناسق طبيعي بين فقرات الآية ؟ ! ثم لو كان كذلك فلماذا لم يمارس القرآن نفسه هذه السيرة وقد نزلت الآيات الكثيرة التي تفضحهم وتعنّفهم وتندّد بهم ، ولا تحدّثنا عن الرحمة بهم والعفو والاستغفار ، فكيف ينسجم هذا الجوّ القرآني مع هذه الآيات التي هي مدنية أيضاً ؟ ! قد يقال : إنّ إلفاء في « فبما » عطف على ما سبق ، وضمير « لهم » في « لنت لهم » يرجع إلى ما سبق ، وإذا تأملنا الآيات السابقة وجدناها تتحدث عن جماعة من المسلمين ، فقد تحدّثت أولًا عن تحذير المؤمنين من إطاعة الكافرين فينقلبون على أعقابهم ( آل عمران : 149 - 150 ) ، وبعد ذلك تحدّثت عن تنازعهم وانقسامهم بين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة ، وأنّ الله رفع البلاء عنهم ثم قال :
( وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ )
، ويتحدّث عن الفشل في بعض الحروب - وهي معركة أحُد - ونزول الغم عليهم ، ثم يتحدّث عن الطائفة التي أهمّتها نفسها وظنّت بالله ظنّ السوء ، ويذكر أن هذا بلاء للصدور وتمحيص القلوب ، ويتحدّث عن الذين تولّوا يوم التقى الجمعان ويعلّق :
( وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ )
، ثم ينهى عمّن يريد أن يكون كالكافرين الذين قالوا عن الشهداء بأنهم لو كانوا معنا ما ماتوا وما قتلوا ، ويعلّق بأنّ القتل في سبيل الله هو خير مما يجمعون ( آل عمران : 152 - 158 ) ، ثم تأتي الآية التي نحن فيها ، وبعدها يأتي الحديث عن النصر الإلهي وأن من ينصره الله فلا غالب له ويطالب بالتوكّل على الله تعالى ( آل عمران : 160 ) .
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 431 | حيدر حب الله