أما إذا قالوا : إنّ ذلك لخصوصية في الأمر بالمشاورة ، من حيث إننا لا نحتمل أن يكون عقلهم أفضل من عقل الرسول ، فهذا مصادرة على المطلوب على مستوى بحثنا ، لأننا نبحث في حاجة النبي إلى الاجتهاد وعدم كفاية الوحي لديه ، فإذا أثبتنا من الخارج أنّ كل ما لديه كان من الوحي كان ذلك إعداماً لموضوع المشورة وتأويلًا للآية التي نحن فيها بدليل من الخارج ، لا تفسيراً للآية وفق ما يقتضيه ظهورها من حيث هي ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بعد استعراض أدلّة عدم اجتهاد النبي مقارنة ما ثبت من أدلّة اجتهاده وما ثبت سنداً ودلالةً أيضاً من أدلّة عدم اجتهاده . وأما القول بأنّ النبي كان عقله أرجح من عقل الناس في كلّ شيء حتى القضايا الدنيوية ، فهذا إذا ثبت بدليل عقلي أو نقلي لزم مقارنة هذا الدليل مع هذه الآية ؛ لا افتراضه أصلًا وجعل الآية في درجة تالية له . وهذه نقطة في غاية الأهمية ؛ حيث نجد الكثير من الباحثين يفترض أنّ ما توصّل إليه في موضوع ما محسوماً ، ثم لمّا ينظر في معارضه يأوّله ، مع أنّ المفروض منطقياً أن يجعل الدليل مع معارضه في نظرة واحدة ، وعدم البتّ بالنتيجة قبل استشراف تمام الأدلة وما يعارضها ، لا افتراض المعارض قبل الوصول إليه مفروغاً عن ثبوت بطلانه لأجل الدليل المنافي له ، وافتراض الحاجة - فقط - إلى تأويله ، فقد يكثر هذا المعارض إلى حدّ ينسف أصل النظرية التي نقوم بتأويله لأجلها .
وبهذا نسجّل ملاحظة على طريقة تناول الشيخ المفيد في « الفصول المختارة » لهذه الآية الكريمة ، حيث انطلق من العصمة من جهة ، ومن الاتصال المتواصل للنبي بالوحي والسماء من جهة ثانية ، من هنا استند إلى قاعدة عدم افتقار الكامل إلى الناقص حتى يرى أنّ مشاورة النبي لأصحابه لم تكن لكي يستفيد هو منها ، بل لكي ينتهجوا على نهجه ويتأدّبوا بآداب الله . نعم ذكر الشيخ المفيد وجوهاً أخرى لا تجري عليها هذه الملاحظة « 1 » .
هامش
( 1 ) المفيد ، الفصول المختارة : 32 - 33 .