تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
رابعاً : يمكن الجمع - كما ذكر الشيخ المفيد « 1 » - بين آية الأمر بالمشاورة وجملة الآيات الدالّة على وجود منافقين كُثر بين المسلمين ، وأنّ هؤلاء المنافقين يُعرفون من أفعالهم ولحن قولهم ، قال تعالى :
( وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا )
( النساء : 142 ) ، وقال سبحانه :
( . . وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ . . )
( محمد : 30 ) ، من هنا أمر الله نبيَّه بمشاورة المسلمين ؛ كي يتميّز المنافقون من غيرهم ؛ فإنّ وجهات النظر تكشف عن خبايا النفوس ، والمنافقون والغشاشون يظهرون في مقالاتهم وآرائهم ، من هنا كانت مشورتهم طريقاً إلى معرفتهم ، تماماً كما حصل في مشورة بدر ، حتى أنزل الله ما كشف طمعهم في الدنيا وعرضها ومتاعها الزائل . فالغرض من المشاورة كشف المنافقين في الأمّة ، لا حاجة النبي إلى رأي غيره ، فتكون الآية أجنبية تماماً عن بحث الاجتهاد النبوي . إلا أن هذه المناقشة لا تخلو من نقاط ضعف ، فهي ليست جمعاً بين الآيات ، وإنّما هي افتراض زائد ومؤونة إضافية تحتاج إلى شواهد لدعمها ، إذ للوهلة الأولى لا يظهر هذا المعنى من حكمة الأمر بالمشاورة . وبصرف النظر عن الحاجة للشاهد ، ومجرّد وجود منافقين حول النبي لا يعني أنّ الأمر بالمشاورة كان لأجل كشفهم ، فهذا مجرد احتمال صرف ، نقول : إنّ هذا الاحتمال يناقض ظهور الآية وسياقها ، وليس فقط لا يُستفاد منها ؛ وذلك أنّ الآية - بل وما يلحقها وما يسبقها - حديث عن المؤمنين وعناية الله تعالى بهم ، والآية نفسها تمتدح النبي للين قلبه معهم نتيجة الرحمة الإلهية التي أُلقيت عليه ، وتطلب منه أن يعفو عنهم ويستغفر لهم ، ونفس هؤلاء تطلب منه أن يشاورهم ، فإذا كان المقصود هو المنافقين فهذا خلاف سياق الآيات ؛ لأنك عندما تتحدّث عن مجموعة من الناس وتطلب العفو
هامش
( 1 ) انظر : المصدر نفسه ؛ والتستري ، الصوارم المهرقة : 314 - 315 ؛ ومستدرك سفينة البحار 6 : 59 - 60 ؛ والتبيان 3 : 32 ؛ ومجمع البيان 2 : 428 .