ذلك فيمكن تقييدها بالمقيّد العقلي أو النقلي .
ثانياً : إنّ الأمر بالمشاورة ليس لأجل أن يستفيد النبي من وجهة نظرهم ، بل لكي يستفيدوا هم من وجهة نظره ، أي أنّ عليك مشاورتهم لأخذ آرائهم وتصويبها ، لا لأخذ آرائهم بهدف تصويب رأي النبي نفسه ، فهذا يشبه - إلى حدٍّ ما - ما يقال في حقّ النساء : « شاوروهنّ وخالفوهنّ » « 1 » ، فالمشورة هنا ليست لكسب الرأي وتنضيج الأفكار ، بل لبيان ضعف رأي المرأة وعدم استحقاقها لأن تؤخذ منها المشورة والرأي « 2 » .
والجواب : إنّ هذا الاحتمال خلاف الظاهر جداً ، ففي رواية مخالفة النساء جاءت القرينة الدالّة على الفكرة الأساسية التي تريد أن توصلها الرواية ، وهي كلمة « خالفوهنّ » ، أما فيما نحن فيه فلا يوجد شيء من هذا القبيل ، بل غاية ما هناك الأمر بالمشورة والتعقيب بالعمل بما يعزم عليه النبي ، وهذا لا يصلح لصرف اللفظ عن ظاهره الطبيعي ، فإنّ الحث على المشورة ظاهره أنّه لانتفاع الإنسان بها ، وهكذا يفهم العلماء من كلّ روايات الشورى والمشورة ، لا نفع الآخرين بهذه المشورة ، ولو كان هذا المطلوب لكان المناسب الإلماح إلى تصويب آرائهم ، لا الاكتفاء بالتعقيب بما يعزم عليه بعد المشورة .
ثالثاً : إنّ الأمر بالمشاورة هنا لا على نحو التلطيف للمشاعر ولا على نحو التصويب للآراء ، وإنما هو على نحو التعليم للغير ، بمعنى أنّ الله تعالى إنّما أمر نبيّه بذلك ، والقصد فيه بيان الحكم للحاكمين بعد رسول الله ، فأراد الله أن يستنّ الحكّام بالنبي فوجّه إليه الأمر « 3 » .
هامش
( 1 ) عوالي اللئالي 1 : 289 .
( 2 ) أنظر : عمدة القاري 25 : 78 .
( 3 ) أنظر : المبسوط 8 : 98 ؛ ومسالك الأفهام 13 : 373 ؛ والأم 5 : 19 ؛ 180 ، و 6 : 218 ، و 7 : 100 ؛ ومختصر المزني : 164 ، 299 ؛ والمجموع 20 : 138 ؛ والإقناع 2 : 265 ؛ ومغني المحتاج 4 :