هذا ، وجعل آية العفو تلطّفاً من الله مثل : رحمك الله « 1 » ، تأوّل مخالف للظاهر ، لا سيما بعد بيان موجب هذا القول وهو الإذن لهم .
ط - آية المشاورة ، والتأصيل لشرعنة الاجتهاد النبوي
الدليل القرآني التاسع ، هو قوله تعالى :
( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )
( آل عمران : 159 ) .
استند السرخسي وغيره هنا إلى ظاهرة استشارة النبي لأصحابه ، فإنّ النبي كان يشاور أصحابه في الأحكام وفي الحروب ، وهنا لا يخلو الحال من :
أ - أن يكون هناك وحي ظاهر في المسألة ، وهنا لم يكن النبي ليستشير أصحابه قط ، فلم يكن يستشيرهم في إقامة الصلاة وعدم إقامتها أو في دفع الزكاة وعدم دفعها وهكذا .
ب - أن لا يكون هناك وحي ظاهر في هذا الأمر ، وهنا كان يستشير ، بل هو مأمور بالمشورة ، وهنا حالتان :
الأولى : أن لا يعمل الرسول برأيهم بعد أن يستشيرهم ، بحيث إنه كلّما استشارهم عمل بخلاف رأيهم ، وهنا لا يصدق عليه سوى أنه يستهزئ بهم ، لا أنه يطيّب خاطرهم بالمشورة ، وهو أمرٌ لا يظن برسول الله صلى الله عليه وآله .
الثانية : أن يعمل الرسول برأيهم ، وهذا معناه أنّه يعمل باجتهاداتهم ، وإذا كان الرسول يعمل باجتهادات أصحابه فبطريق أولى يجوز له العمل باجتهاد نفسه « 2 » .
هامش
( 1 ) البهائي ، زبدة الأصول : 162 .
( 2 ) انظر : السرخسي ، أصول الفقه 2 : 93 - 94 ؛ والآمدي ، الإحكام 4 : 399 ؛ والفراء ، العدّة 2 : 437 ، 439 .