لورودها في خصوص المؤمنين الحقيقيين بحسب سياق الآية لا مطلق المسلمين الشامل للمنافقين كما هو سياق الآية التي نحن فيها ، وعلى أية حال فبحثنا لا يرتبط بمسألة العصمة .
نعم ، قد يقال هنا : إنّ الاحتمال الأقرب في صدور الإذن من النبي لهم بالتخلّف ليس المعصية لأمر مسبق كان وجّه إليه ، وإنما لبيان خطئه في دراسة الأمر ، والشاهد على ذلك أنّ الآية نفسها تعقب فوراً بعد ذلك ببيان علّة الحاجة إلى عدم الإذن لهم ، وهي أنّ عدم الإذن كان سيكشف للرسول الصادقين من غيرهم ، فمثل هذا التعليل أقرب إلى كونه لبيان خطأ اجتهاد النبي ، وإلا فلو كان النبي إنما عصى أمراً كان وجّه له بعدم الإذن لناسب أن يعاتب بذلك لا ببيان إيجابيات عدم الإذن ، فإذا صحّ هذا الكلام تكون الآية دالّة على الاجتهاد النبوي في قضايا الحرب ونحوها لا غير ، بل تدلّ على خطأ هذا الاجتهاد أحياناً .
ولا نقصد بالخطأ هنا نوعاً خاصاً منه ، بل قد يشمل اختيار النبي الإذن لهم لعلمه بأنهم لو خرجوا معه لأضرّوا بالمسلمين ، بل الله تعالى - بعد ذلك - أخبر عن ذلك بقوله :
( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ )
( التوبة : 46 - 48 ) . أما الآية التي نحن فيها فلا تقصد من عدم الإذن لهم أنّ الله يريد خروجهم ، بل تقصد أنك لو لم تأذن لهم لانكشفت سريرتهم لك ، وكان ذلك فرصةً مناسبة لك كي تكشف المنافقين من حولك ، فالخطأ لم يحصل هنا من حيث إنّ النبي رقّ قلبه لهم فقط أو انساق عاطفياً معهم ، بل لأن النبي حسب مفاسد خروجهم وهم متردّدون غير متحمسّين للخروج ، فيما كان يفترض أن يلحظ أيضاً بُعداً آخر في القضية ، وهو ما أشارت إليه الآية في القسم الثاني منها كما أسلفنا .