تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
بل من ظهورات الآيات الكريمة . فالإنصاف أنّ هذه الآية - بناءً على نزولها في رسول الله صلى الله عليه وآله - فيها رائحة الدلالة على الاجتهاد النبوي في المجال الموضوعي والميداني ، وأنه قد يخطأ في اجتهاده هذا ، وعليه فلا تدلّ على عدم عصمة النبي عن الذنب ، بل تنفي عصمته عن الخطأ . وقد حاول ابن حزم الأندلسي ردّ الاستدلال بهذه الآيات من خلال أنّ أقصى ما تفيده اجتهاده صلى الله عليه وآله فيما هو مباح له ولم يُنهَ عنه قبل ذلك ، لا اجتهاده في الفرض والتحريم والتشريع وأمثال ذلك « 1 » ، وكلامه صحيح ، لكنه لا يلغي أصل الاجتهاد النبوي بمعنى عدم تلقّي الأمر من الوحي السماوي .

ز - حادثة الزواج من زينب بنت جحش ، رصد الصلة بنظرية الاجتهاد النبوي

الدليل القرآني السابع هنا هو قوله تعالى :
( وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا )
( الأحزاب : 37 ) . فهذه القصّة المعروفة في تزوّج الرسول صلى الله عليه وآله بزينب بنت جحش - وقد كانت زوجة ابنه بالتبنّي زيد بن الحارثة - تدلّ على أنّ رسول الله لم يقل لزيد الأمر الإلهي المتوجّه إليه في مسألة زينب بنت جحش ، ورأى غير ذلك ، لكنّ الله أبى إلا الإفصاح عن ذلك « 2 » ، فتدلّ على اجتهاد النبي إمكاناً ووقوعاً وخطأ . ويناقش الاستدلال بهذه الآية بأنّه ليس فيها عينٌ ولا أثر لوجود اجتهاد نبوي ، نعم ظاهرها الأوّلي وقوع الذنب أو ما شابه من رسول الله صلى الله عليه وآله ، فتكون على صلة بنظرية العصمة وتوحي بمنافاتها ، ولا علاقة لها بمسألة الاجتهاد ، فالنبي أخطأ في خوفه من
هامش
( 1 ) انظر : الإحكام في أصول الأحكام 5 : 700 . ( 2 ) انظر : السليماني ، الاجتهاد في الفقه الإسلامي : 73 .