مطالبته بالاستغفار إذا لم يقصّر في المقدّمات ، فإنّ المجتهد غير المقصّر في المقدمات معذور بإجماع المسلمين .
وبهذا يتبيّن أنّ الآية لا تدلّ على اجتهاد النبي ، بل إنّ مثل الفخر الرازي يوحي كلامه بدلالتها على أنّ رسول الله ما كان يحكم إلا بالوحي أو بالنص « 1 » ، فتكون من الآيات الدالّة على عدم اجتهاد النبي ، وسيأتي التعليق عليها هناك من هذه الزاوية ، إن شاء الله تعالى .
و - عبس وتولّى ، مقاربة في الربط بين الحدث والاجتهاد
سادس أدلّة مجوّزي الاجتهاد النبوي من القرآن الكريم هو قوله تعالى :
( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى * وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى . . . )
( عبس : 1 - 10 ) .
فقد استند إلى هذه الآيات على أساس أنها تعني أنّ رسول الله اجتهد في آليّة التعاطي والدعوة ، فرأى أنّ المصلحة في التركيز على وجوه الناس والملأ منهم ، ولهذا أعرض عن ابن أم مكتوم الأعمى ، فجاءت الآيات في ذمّ هذا الفعل ، والتركيز على حصول خطأ في اجتهاد النبي وتحديده للأمور وما ينبغي أن يفعل « 2 » .
وإذا تمّ الاستدلال بهذه الآيات هنا ، فهي تدلّ ليس فقط على إمكان اجتهاد النبي ، بل على وقوعه ، بل على خطأ الاجتهاد النبوي أحياناً ، كما هو واضح من لهجة المعاتبة .
وفي الحقيقة ، فقد وقعت هذه الآيات موقع جدال واسع بين المسلمين ، لا سيما من حيث تأثيرها على نظرية العصمة ، فذهب كثيرون إلى نزولها في معاتبة رسول الله في ابن
هامش
( 1 ) انظر : التفسير الكبير 11 : 33 .
( 2 ) انظر : الفصول في الأصول 3 : 242 ، 243 ؛ وأصول السرخسي 2 : 95 ؛ وعلي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي : 77 ؛ والسليماني ، الاجتهاد في الفقه الإسلامي : 72 .