ثانياً : لم نفهم لغوياً ما هو المحذور في جعل الرؤية هنا بمعنى العلم ، فقد يريد المولى أن يقول : واحكم بين الناس بالحكم الذي أعلمك الله إياه ، فتكون كافٍ « أراك » مفعولًا أولًا ، والضمير المقدّر الذي هو ( المعلوم والمرئيّ ) في الحقيقة ، هو المفعول الثاني ل - « أراكه » ، وحيث إنّ الله أعلمه إياه ولم يحدّد لنا شكل الإعلام ، فلا يصحّ الاستناد إلى هذه الآية لإثبات أحد أشكال التعليم الإلهي ، سواء كان الاجتهاد أم غيره .
ثالثاً : إذا قارنّا ما نحن فيه مع مطلع الآية سنجد ترابطاً بين نزول القرآن بالحقّ على رسول الله صلى الله عليه وآله والحكم بما أراه الله ؛ لأنّ الآية وصلت بينهما بقولها :
( لِتَحْكُمَ )
، فإنزال الكتاب كان لكي يحكم بين الناس بما أراه الله إياه ، وهذا معناه أنّ الذي أراه الله إيّاه هو القرآن الكريم نفسه ، فكأنّ الآية بدل أن تقول : لقد أنزلنا إليك القرآن لتحكم به ، لا لتحكم بغيره ، قالت في تعبير أكثر بلاغةً ودلالة : لقد أنزلنا إليك القرآن كي تحكم بالذي أراك الله إيّاه ، والذي هو القرآن نفسه ، لتؤكّد الإراءة الإلهية ووحييّة هذا النص وارتباطه بالعليّ القدير ، والآية احتوت على رغبة بتأكيد هذا الأمر عبر قولها :
( بِالْحَقِّ )
، الوارد في مطلعها ، وهذا ما يبرّر الرابط التعليلي بين المقطعين : أي أننا أنزلنا القرآن لا لكي تحكم بغيره بل لتحكم به ، فالآية تشبه قوله تعالى :
( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ * وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ