تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً )
( النساء : 105 - 106 ) . لقد جرى الاستدلال بهذه الآية على الاجتهاد النبوي ، على أساس أنّ كلمة : « أراك » مأخوذة من الرؤية ، والرؤية تستخدم بثلاثة استخدامات في اللغة العربية : أحدها : الإبصار ، تقول : رأيت زيداً ، ومن الواضح هنا أنّ هذا الاحتمال بعيد ؛ لأنه يستحيل الرؤية البصرية في مجال الأحكام ، فالله هنا يطلب من النبي أن يحكم بما يريده الله ، فيكون حكمه مرئياً والحكم لا يُرى ، ولهذا نستبعد فرضية الرؤية البصرية . ثانيها : الرؤية العلمية ، مثل قولك : رأيت زيداً قائماً ، إذا كنت تريد : علمت بقيام زيد ، وهذا الاحتمال مستبعد هنا بحسب نصّ الآية ؛ لأنّ الرؤية العلمية إذا جاء معها مفعولان لزم ذكر المفعول الثالث ، وفي الآية التي نحن فيها ورد مفعولان ، أحدهما مصرّح به ، وهو الكاف في « أراك » والثاني مقدّر مضمر ، وهو الضمير المتصل بهذه الكاف ، إذ تقدير الآية أن يقال : « بما أراكه الله » ، أي بما أراك الله إياه ، وهذا أمر تفرضه « ما » التي هي اسم موصول تستدعي عائداً يعود عليها ، ومع ذكر المفعولين لا نجد الثالث ، فيختلّ شرط الرؤية العلمية . ثالثها : الرؤية بمعنى الرأي ، مثل قولك : أرى في هذا الأمر كذا وكذا . وحيث بطل الاحتمالان الأولان ، تعيّن الثالث ، فيكون معنى الآية الكريمة : بما جعله الله رأياً لك . ولا أقلّ من شمول نصّ الآية للمحتملات كلّها . وبهذا يثبت أنّ للنبي رأياً ، وهذا هو معنى الاجتهاد « 1 » . وهذا الدليل - لو تمّ - يفيد جواز الاجتهاد النبوي ، بل وقوعه ، لجعل الحكم « بما
هامش
( 1 ) راجع : الآمدي ، الإحكام 4 : 399 ؛ وابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة 10 : 213 - 214 ؛ والإيجي ، شرح المختصر 3 : 584 ؛ والتفتازاني ، الحاشية على شرح العضد 3 : 585 ؛ وعبد الخالق ، حجية السنّة : 191 ؛ والفخر الرازي ، التفسير الكبير 11 : 33 .