قيل : إنّ بني النضير كانوا يفكّون الخشب وغيره من داخل بيوتهم ليضعوه في الطرقات منعاً لدخول المسلمين .
أقول : في ظلّ هذا السياق هل المناسب هنا أن يكون الاعتبار بمعنى الاتعاظ وتحصيل الرادع النفسي والروحي بهذا المعنى الخاصّ أم بمعنى مطلق المجاوزة التي تعطي حجية القياس ؟ ! ولا أقلّ من الإجمال حتى لو كان الاتعاظ يستبطن فكرة العبور من الطرف الآخر الذي وقعت عليه المصيبة إلى الذات التي يراد لها أن تتعظ مما حصل مع غيرها ، فهناك عبور من الآخر إلى الذات ، لكنه عبور خاص ، فهذه الآية تماماً كآيات الاعتبار بقصص الأنبياء والماضين ، فهل يفهم منها تأسيس أصل الاجتهاد والقياس في حقّ النبي وعامة المؤمنين ؟ أليس هذا انتقالًا من الخاص إلى العام دون وجود مبرّر عرفي في الفهم اللغوي الموسّع للمدلول هذا ؟ !
ثانياً : حتى لو سلّمنا دلالة الآية على ما قيل ، فهي أمرٌ بوجوب الاجتهاد والقياس ، لكنها مقيّدة بمقيّد لبي متصل يقرّ به الجميع ، وهو أنه يجب عليكم القياس إذا لم يحصل لكم علمٌ من دونه ، وهذا معناه أنه لو حصل علم بالحكم الشرعي دون إعمال القياس فلا أحد يقول بوجوب القياس حينئذٍ ، وطبقاً لذلك لابد أولًا من إثبات أنّ النبي صلى الله عليه وآله ما كان يعلم الأحكام أو المواقف جميعاً بغير طريق القياس حتى يكون مشمولًا لهذا الخطاب ، فهذا تماماً مثل قولك : ليس على الأعمى حرج ، فإنه يشمل النبي على تقدير كونه ضريراً ، فلابدّ من إثبات الصغرى - بحسب الاصطلاح المنطقي - أي موضوع المسألة ، ليجري النصّ في موردها ، فهذا الاستدلال بهذه الطريقة غير كافٍ ، بل هو محكوم لسائر الأدلّة هنا .
وعليه ، فالاستدلال بهذه الآية الكريمة على حجيّة القياس أو على اجتهاد النبي غير واضح أبداً .
ه - - الحكم النبوي بما يريه الله ، نقد وتعليق
الدليل الخامس على نظرية تجويز الاجتهاد النبوي هو قوله تعالى :
( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ