اجتهاد سائر الأنبياء واجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله ، فأقصى ما يستفاد حينئذٍ جواز اجتهاد الرسول محمد ، لا وقوع هذا الاجتهاد ؛ لأنّ الآية في نهاية المطاف تخبر عن واقعة ، ولا تعطي حكماً عاماً .
د - آية الاعتبار ، مستند الاجتهاد والقياس ، تحليل ورصد
رابع الأدلّة القرآنية على نظرية تجويز الاجتهاد النبوي هو قوله سبحانه :
( فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ )
( الحشر : 2 ) ، فقد استند إلى عموم هذه الآية لإثبات شرعيّة القياس ؛ لأنّ الاعتبار المأمورين به بنصّ الآية مشتقٌّ من العبور ، أي الانتقال من شيء إلى شيء ، والمجاوزة عن الشيء نحو غيره ، وهذا هو معنى القياس ، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وآله أرفع الناس بصيرةً كان مخاطباً بشكل أوضح بهذه الآية ، مما يدلّل على شرعية القياس والاجتهاد حتى في حقّه صلوات الله عليه « 1 » .
وهذه الصيغة للدليل تفيد وجوب اجتهاد النبي صلى الله عليه وآله بمقتضى صيغة الأمر فيها ، أي أنّ الله أوجب عليه الاجتهاد ، فتدلّ - بمقتضى عصمته عن الذنوب حيث لا يخالف أمر الله سبحانه - على تحقّق الاجتهاد منه ، فضلًا عن إمكانه ، كما أنّ المراد بالاجتهاد في الدليل هو معناه الأصولي الأخصّ ، وهو ما يستفاد منه الظنّ بالحكم الشرعي عبر القياس ونحوه .
ولسنا هنا بصدد مناقشة الاستدلال بهذه الآية على حجيّة القياس ، فهذا له مجاله الآخر هناك ، وإن كنا لا نرى لهذه الآية علاقة ببحث القياس ، لكن لو صرفنا النظر عن مسألة القياس ، فإنّ هذه لا تدلّ - أيضاً - على اجتهاد النبي ، لا إمكاناً ولا وقوعاً ولا
هامش
( 1 ) انظر : الفراء ، العدّة 2 : 438 ؛ وحجية السنّة : 181 - 182 ؛ والسرخسي ، أصول الفقه 2 : 93 ؛ وحركة الاجتهاد : 76 ؛ والآمدي ، الإحكام 4 : 399 ؛ والشوكاني ، إرشاد الفحول 2 : 218 - 219 ؛ وعلي حسب الله ، أصول التشريع الإسلامي : 76 ؛ والسليماني ، الاجتهاد في الفقه الإسلامي : 74 .