وجوباً ، وذلك :
أولًا : إنّ كلمة الاعتبار وإن دلّت في اللغة أحياناً على العبور والمجاوزة ، إلا أنها تدلّ أيضاً على معاني أخرى استخدمت فيها ، مهما عنى الجذر اللغوي ، ومن أبرز المعاني التي تستخدم فيها تصريفات هذه الكلمة هو الاتعاظ وأخذ العبرة ، حيث تقع المصيبة على فلان لفعله أمراً سيئاً كالسرقة ، فيقال : اعتبروا ، أي فليكن ما حصل لهذا السارق عبرةً وعظة ودرساً ورادعاً لكم عن السرقة ، وأين هذا من مسائل حجية القياس أو الاجتهاد النبوي .
وإذا قرأنا الآية الكريمة التي جاء فيها هذا المقطع - الشاهد ، وجدنا المناسبة الشديدة مع فكرة الاتعاظ ، فهذه الآية جاءت تتحدّث عن بني النضير الذين نقضوا العهود والمواثيق فأجلاهم الرسول عن المدينة ، قال تعالى :
( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ )
( الحشر : 2 ) .
ومعنى الآية الكريمة : إنّ الله العزيز الحكيم هو الذي أخرج الكفار من يهود بني النضير في أوّل عملية حشر وجمع للناس وإخراج تحصل في المنطقة هناك ، حيث ذهب قسمٌ من بني النضير إلى خيبر ، فيما ذهب قسم آخر إلى بلاد الشام ، فكان بنو النضير أول من أجلي عن أرض العرب كما يعبر البلخي فيما ينقل عنه ، وهؤلاء - بنو النضير - كانوا يعيشون في حصون وبناء رفيع عالٍ يصعب احتمال هزيمتهم فيه ، إلى حدّ أنّ المسلمين أنفسهم ما كانوا يتوقّعون خروجهم من هذه الحصون المنيعة ، تماماً كما كان يهود بني النضير يظنّون أنّ هذه الحصون تحميهم وتمنعهم ، لكنّ الذي حصل كان على عكس ذلك تماماً ، إذ جاءت الهزيمة النكراء من حيث لم يحتسب اليهود ، حيث فجعوا بقتل زعيمهم كعب بن الأشرف على يد أخيه ، وقذف الله الرعب في قلوبهم ، فساقهم هذا الرعب إلى تخريب بيوتهم ، تماماً كما خرّبها المؤمنون حال اقتحامهم الحصون ، حيث