فيها ما يشير إلى حالتي : الظنّ واليقين في نتائج الاجتهاد التي توصّل إليها كلٌّ من داوود وسليمان .
إلا أنّ الصحيح أنّ هذه الآية - بصرف النظر عن مدى صحّة الروايات والمقولات التفسيرية القديمة في واقع ما جرى في القصّة - لا تدلّ على اجتهاد سليمان ؛ وذلك أنّها تعطي دلالة على تفهيم سليمان الأمر ، لكنها لا تبيّن وسيلة التفهيم هذه ، فمن الممكن أن يكون أوحي إلى سليمان الأمر بأحد أنواع الوحي ، فعرف الحكم ، ولم يوحَ ذلك إلى داوود ، وأراد الله بذلك أن يبيّن مكانة سليمان أو غير ذلك ، وإذا كان داوود وسليمان يشتركان في الوحي ، وكان هذا مبرّر رفض فكرة أن التفهيم حصل عبر الوحي وإن لم يكن بالمبرّر الوجيه ، فإنّ داوود وسليمان يشتركان في الاجتهاد أيضاً عند القائلين بجواز الاجتهاد على الأنبياء ، فكيف حصل الامتياز هنا دونه هناك ، إلا إذا قيل : إنهما عملا بالاجتهاد لكنّ أحدهما أخطأ ، وهذا أيضاً فيه مشكلة على طرائقهم ؛ لأنّ المفروض أنهما معاً عرضة للخطأ ، فلماذا أخطأ أحدهما دون الآخر ؟
وبعبارة أخرى : مجرّد الاشتراك العام في أمرٍ ما ، سواء كان هو الوحي أم الاجتهاد أم المعرضية للخطأ ، لا يبرّر نفي الفرضية ، كما هو واضح .
وتظهر هنا مشكلة ، وهي أننا لا نريد الاستدلال بالآية على اجتهاد سليمان ، بل على اجتهاد أحدهما ، فيمكن أن نطوّر الدليل لصالح القائلين باجتهاد الأنبياء ، وذلك بأن نقول : إنّ داوود وسليمان حكما في الغنم ، وما حكما به إما باجتهاد منهما أو بوحي أو باجتهاد أحدهما والوحي للآخر :
أ - فإذا قلنا : إنهما حكما عن اجتهاد منهما معاً ، فقد ثبت المطلوب فيهما .
ب - أما إذا قلنا بأنهما حكما عن وحي نزل عليهما معاً ، فكيف يمكن أن يوحي الله تعالى لنبيّين في زمان واحد وفي واقعة واحدة بحكمين أحدهما يصفه بأنه تفهيم والآخر لا ينعته بذلك ؟ وهل يصدر الله حكمين مختلفين واقعاً ؟ ! أليس هذا تناقضاً في الشريعة الواقعية ؟ !
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 404
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠٤