تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ * وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ )
( الأنبياء : 74 - 75 ) ، فيكون المعنى : وآتينا داوود وسليمان حكماً وعلماً عندما كانا يحكمان في الحرث . . فيكون العلم والحكمة مرتبطين بالحكم نفسه ، لا بمجمل شخصيّتهما .
من هنا ، فالملاحظات التي ذكرت لنفي النسخ هنا غير واضحة ، نعم احتمال النسخ غير ظاهر من الآية إطلاقاً ، لكنه يعيق الاستدلال بها على الاجتهاد النبوي ، ورفعه بأنّه خلاف الأصل ؛ لما فيه من تعطيل المنسوخ « 1 » ، غير صحيح ؛ فإنّ الأصل عدم الاجتهاد ، وكونه يعطّل دليلًا منسوخاً ليس خصوصية إضافية تنفيه .
والذي نجده يحسم الموقف هنا تقريباً ، النظر في كلمة « يحكمان » ، فهل تدلّ على إصدار حكم أم على متابعة المقدمات التي بتوافرها يصدر الحاكم حكمه ؟
ذهب بعض المفسّرين إلى أنّه لا دليل في الآية على أنّ داوود قد أصدر حكماً في قضية الغنم ، فكلمة :
( إِذْ يَحْكُمانِ )
، تعني حالة حكمهما ، ولا يقصد إصدار الحكم نفسه ، فإنّ متابعة القضية ودراسة ملفّاتها والهمّ بإصدار الحكم ينطبق عليه هذا التعبير ، فلم يُصدر الطرفان حكماً ، بل تشاورا وكانا بصدد دراسة القضيّة لإصدار الحكم ، والله تعالى أفهم سليمان الموضوع ولم يُفهم داوود ، هذا ما حصل ، فلم يقع الاجتهاد ولا أمثاله « 2 » .
ويبدو أنّ هذا الاستنتاج قد أخذ من بعض الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام ، فقد ورد في خبر زرارة عن أبي جعفر عليه السلام ، في قول الله تبارك وتعالى :
( وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ )
، قال : « لم يحكما ، وإنّما كانا يتناظران ، ففهّمناها سليمان » « 3 » .
وهذا التفسير محتمل عرفاً ، لا سيما بقرينة صيغة المضارع الموجودة في « يحكمان » بعد
هامش
( 1 ) الآمدي ، الإحكام 4 : 404 .
( 2 ) الميزان 14 : 311 ؛ والأمثل 10 : 217 .
( 3 ) البرقي ، المحاسن 1 : 277 ؛ وكتاب من لا يحضره الفقيه 3 : 100 - 101 .