تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
ج - وأما إذا قلنا بأنه أوحى إلى أحدهما ، والأقرب - بحسب دلالة الآية - أن يكون سليمان ، واجتهد الآخر ، فقد ثبت اجتهاد النبي أيضاً . وحيث لا رابع هنا ، تعيّن القول بدلالة الآية على وقوع الاجتهاد ، بصرف النظر عن أنّ الذي اجتهد هو سليمان أم داوود أم هما معاً . وقد تقول : أيّ مانع من أخذ الاحتمال الثاني ، أي الوحي إليهما معاً ، لكن بحيث يكون الله قد أوحى إلى سليمان حكماً ناسخاً لما كان يعرفه داوود بوحي سابق ، بمعنى أنّ داوود حكم طبقاً لمراد الله الواقعي ، حيث كان أوحي إليه قبل ذلك أن يحكم بهذه الطريقة ، ولمّا حصلت الحادثة عمل داوود بهذا الحكم الإلهي ، لكنّ الله تعالى نسخ هذا الحكم عبر الوحي إلى سليمان لا إلى داوود ، ولهذا عبّرت الآية بتفهيم سليمان لا داوود ، والنسخ جائز عقلًا وشرعاً ، وبهذا نحافظ على وحييّة الحكمين : الداوودي والسليماني ، وفي الوقت عينه نفهم اختلافهما ، فلا تعود الآية دالّةً على جواز اجتهاد النبي . وقد استبعد بعض المفسّرين احتمال النسخ ، منهم العلامة الطباطبائي ، وانطلق في ذلك أنّ الناسخ والمنسوخ متباينين ، فلو كان حكم داوود وسليمان متباينين لقالت الآية « وكنا لحكمهما أو لحكميهما » ، حتى يدلّ النص على التعدّد والتباين ، مع أنّه أفرد كلمة الحكم
( وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ )
، وهذا يعطي إشعاراً بوحدة الحكم الصادر عنهما ، بل حتى التعبير بشهادة الله تعالى لهذا الحكم تعني صونهم عن الخطأ ، ولو كان داوود حكم بالحكم المنسوخ لكان حكمه قد وقع على خطأ ، وهذا لا يتناسب مع الشهادة الإلهية ، كما أنه لا يتناسب مع قوله فيما بعد :
( وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً )
، إذ هو تعبير يوحي بالمدح والتأييد « 1 » . لكنّ هذه المحاولة في استبعاد فرضية النسخ غير واضحة ؛ وذلك : أولًا : إن أفراد كلمة « الحكم » لا تعني الوحدة ، فالعرب تفرد حتى مع التعدّد ، عندما
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 14 : 311 .