أما ما ذكره العلامة فضل الله من أن التوعّد هنا لبيان عظمة الخطأ وإلا فهم لا يستحقّون العقاب ؛ لعدم صدور نهي مسبق في أخذ الأسرى « 1 » ، فهو جيّد لتخريج الإشكالية بحيث يكون الكتاب الذي سبق هو عدم المعاقبة قبل البيان ، إلا أنّ الصحيح هنا أنه لم يصدر الحكم قبل الآية حتى يكون هناك مورد للعقاب لا أنه صدر وتم حجز العقاب لعدم البيان ، علماً أنّ الآية فيها ذمّ فعلي على طلب الدنيا وهو لا يصدق على تقدير عدم وجود حكم شرعي مسبق . من هنا فالأقرب أنهم فعلوا شيئاً يستحقّ الذم وربما كان عدم أخذ الأسرى مركوزاً في الثقافة الدينية آنذاك أو تشمله سنّة نبوية أو عموم قرآني .
ب - وأما إذا أخذنا بعين الاعتبار روايات أسباب النزول ، فمن الواضح أنها - ولا أقلّ من بعضها - تدلّ على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد اختار رأي أبي بكر على رأي عمر ، وبصرف النظر عن تقييم أسانيد هذه الروايات هنا ، فإنها تفيد أنّ رسول الله اجتهد ومال إلى رأي من الآراء ، فتكون دالّة على المطلوب في الحدود التي قلناها .
نعم ، لا يشمل الذمّ الذي جاء في الآية رسولَ الله ، بناءً على الأخذ بالروايات هنا ؛ لأنه من الممكن أنّ بعض المسلمين أرادوا عرض الدنيا والنبي وافق رغبتهم دون أن يكون قصده الدنيا ، وإنّما مجرّد استنساب ما قالوه ، فنزل بيان خطئه في الاجتهاد عبر ذمّهم على رغباتهم الدنيوية ، فلا دليل يفيد شمول مثل هذا الخطاب الذامّ لشخص رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهذا المقدار لا يفيد عدم عصمة النبي عن الذنوب .
والخبر الذي يحدّد لنا أسباب نزول هذه الآية بهذه الطريقة ، هو خبر ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب نفسه « 2 » ، وورد ببعض الدلالة عن عبد الله بن مسعود ، كما في سنن الترمذي ، لكنّ الترمذي ذكر أنّ أبا عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه عبد الله بن
هامش
( 1 ) تفسير من وحي القرآن 10 : 424 .
( 2 ) صحيح مسلم 5 : 156 - 158 .