تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
نعم ، وقوع هذا الاجتهاد النبوي ليس دليلًا على وجوب الاجتهاد على النبي ، بل على جوازه . والجواب عن الاستدلال بهذه الآية أن يقال : أ - إذا قصرنا النظر على الآية نفسها وما يحيط بها من سياق قرآني ، وصرفناه عن الروايات وأسباب النزول ، لم نجد فيها أيّ دلالة إطلاقاً على اجتهاد النبي ؛ فهي في مطلعها تقرّر حكماً عاماً ، وهو أن لا يكون للنبي أسرى حتى يثخن في الأرض ، وهذا حكمٌ لا ربط له برسول الله من حيث الاجتهاد وعدمه ، ثم بيّنت أنكم تريدون عرض الدنيا ، وليس فيها أيّ إشارة إلى أنّ رسول الله هو الذي كان يريد عرض الدنيا ، بل الظاهر من الخطاب أنه يتحدّث مع المسلمين ، ويكفي في صدق هذا الخطاب وجود جماعة تريد عرض الدنيا ، ولا دليل على أنّ النبي كان في ضمن هذه الجماعة . يضاف إلى ذلك أنّ الآية اللاحقة تقول :
( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ )
( الأنفال : 68 ) ، وهذا يعني أنّ ما فعله المسلمون كان شيئاً يفضي إلى عذاب عظيم ؛ وهذا اللسان إذا ضممناه إلى جملة : تريدون عرض الدنيا ، كان معناه ذمّهم على ما أرادوا لا تبيين خطئهم في اجتهادٍ مارسوه ، أي أنه كان يريد تقريعهم والتنديد برغبتهم في أمور الدنيا ، وليس هذا البيان من نوع بيان الخطأ في الاجتهاد ، خلافاً لما قال بعضهم من أنّ الكتاب الذي سبق هو عدم معاقبة المجتهد . وعليه ، غاية ما تدلّ عليه الآية أنّ بعض المسلمين - دون تحديدهم ودون تحديد دخول النبي في ضمنهم - قدّموا الدنيا على الآخرة ومالوا إلى حطامها ، فرفض الله منهم ذلك ، وندّد بسلوكهم وميولهم ، ولفت أنظارهم إلى غير ما كانوا يريدون ، فالآية أجنبية بالمرّة عن مسألة اجتهاد النبي ، بل وحتى اجتهاد الصحابة ، فلا تدلّ لا على حجية الاجتهاد ولا القياس « 1 » ، ولا ما نحن فيه .
هامش
( 1 ) استدلّ بها على حجية القياس عند بعض الأصوليين ، فانظر : أصول الجصّاص 4 : 33 .