وهذا الدليل - كما يظهر بالتأمّل فيه - يقيد وقوع الاجتهاد النبوي لا مجرّد جوازه ، كما أنه لا يحدّد دائرة خاصّة لهذا الاجتهاد ؛ فما دام هناك مشقة فالاجتهاد حاصل سواء في الأمور الدنيوية أم الدينية ، وسواء أفاد الظنّ أم اليقين وهكذا . .
وهذا الكلام واضح الفساد ؛ إذ من الجليّ أنه لا توجد عندنا قاعدة عامة تفيد أنّ النبي يجب أن يحصل على تمام الثواب ويقع في تمام الابتلاءات ويعاني من تمام ألوان المعاناة التي تحصل لكلّ فرد من أفراد أمّته ، فلم تقتل نساؤه مع أنّ بعض المسلمين قتلت نساؤهم ! ولم ينتهك عرضه مع أنّ بعض المسلمين عانى من ذلك وصبر ! فهل إذا أردنا أن نثبت فضيلةً للنبي يجب أن يكون قد خاض التجربة الإسلامية الفردية لكلّ مسلم بتمام حذافيرها ! ! لعمري هذه مبالغات ليس لها أساس علمي رصين سوى تصوّر مغلوط في أنّ أفضلية النبي من الأمة تستدعي ذلك ، ومن الواضح بطلانه .
وشبيه هذا الأمر يحصل في الوسط الشيعي على مستوى تجربة الإمام الحسين عليه السلام ، فهناك من يتصوّر أنّه لم يعان أحد على وجه البسيطة ولن يعاني ما حصل مع الحسين ! ! لهذا يناقشون في قول فلان أو فلان إنّ بعض الناس في عصرنا قد عانى كما عانى بعض أنصار الحسين ، أو أبلى بلاءً حسناً كما فعل بعض أنصار الإمام الحسين . فإنّه إذا لم تكن هناك نصوص واضحة ثابتة - سنداً ودلالةً - في هذا الأمر ، فإنّه لا تستدعيه العمومات والمطلقات والمعطيات العقليّة أيضاً .
هذا كلّه ، وذكر الآمدي أنّه لو كان كذلك تعيّن عليه الاجتهاد دائماً لكونه أشقّ وأحمز « 1 » .
1 - 1 - 5 - اعتماد برهان الأولويّة بالاستعانة بنظرية العصمة
يعدّ برهان الأولوية خامس الأدلّة هنا ، وهو يفيد أنه إذا جاز لغير النبيّ في هذه الأمة
هامش
531 - 532 ؛ وحركة الاجتهاد : 84 - 85 ؛ والاجتهاد في الفقه الإسلامي : 71 - 72 .
( 1 ) الآمدي ، الإحكام 4 : 401 .