1 - إنه يفترض أنّ النصّ حيث كان محدوداً احتجنا إلى اجتهاد النبي ، فهو يقترب من جعل اجتهاد النبي ضرورةً ، فيكون دليلًا على الإمكان ، بل على الوقوع ، وفاءً لما تستدعيه الضرورة المختزنة في الدليل نفسه .
2 - إنّ أصل هذا الدليل يقوم على النظرية المشهورة في قصور النصوص الدينية عن الشمول لتمام وقائع الحياة ، فالنصّ متناهٍ فيما الوقائع غير متناهية ، ومن ثمّ فلابدّ من ممارسة شيء ما خارج إطار النص لتتم الإجابة عن المستجدات ، وهذا ما اعتبر أساساً أيضاً لشرعية مجموعة من الوسائل الاجتهادية مثل القياس ونحوه « 1 » .
وليس هنا مجال دراسة هذا الموضوع ، لكنّه غدا ضعيفاً طبقاً لبعض أصول الرؤى الاجتهادية ، فتحديد مدى حضور الدين في الواقع البشري ومساحة عمله ، يضاف إليه استخدام منهج المقاصد العليا أو العمومات والمطلقات التقعيدية « 2 » القادرة على تقديم خطوط عريضة ومؤشرات عامة لضبط الحياة البشرية ، ذلك كلّه يفرض عدم وجود حاجة لتدخّل الشارع في كلّ واقعة جزئية كي يعطي حكمها بعنوانها . من هنا نحن نعتقد - مع أخذ ما تقدّم بعين الاعتبار - أنّ القرآن الكريم ، وكما بينا مفصّلًا سابقاً ، قادر على ممارسة تغطية قانونية لأغلب وقائع الحياة التي للدين حديث فيها وتتصل بقضاياه ، فأصل هذا الدليل محلّ نقاش ونظر .
3 - هذا الدليل لا يؤكّد لنا الاجتهاد النبوي المأمون من الخطأ ؛ لأنه بعينه استخدم لشرعنة اجتهاد الفقهاء الذين يجوز عليهم الخطأ ، وعليه فلا يثبت هذا الدليل الاجتهاد غير المتعرّض للخطأ عند النبي . كما أنّه يعمّ حالتي الاجتهاد المفيد للظنّ والمفيد للعلم ، ويستوعب أيضاً القضايا الدينية والدنيوية كما هو واضح من طبيعته الأوّلية .
هامش
( 1 ) راجع : الشهرستاني ، الملل والنحل 1 : 199 .
( 2 ) يقول قطب الدين الراوندي ( 573 ه - ) : . . فالحوادث غير متناهية ، وعموم النصوص أيضاً غير متناهية [ هكذا ] ، وإن كانت النصوص متناهية . . انظر له : فقه القرآن 1 : 13 ؛ وهذا ما عبّر عنه الغزالي فيما ينقله ، بالروابط الكليّة للأحكام ، فانظر له : المستصفى : 296 .