ومن خلال هذا العرض السريع ، يتضح جليّاً أنّ هذه القضيّة قضيّةٌ اجتهادية خلافية بامتياز ، فلا معنى للحديث فيها لا عن إجماع إسلامي ، ولا عن شهرة عظيمة بين العلماء ، ولا عن سيرة سلف أو عمل خلف ، فينبغي استبعاد هذه المفاهيم من سلسلة الأدلّة التي لابد أن نبحثها في نظرية الاجتهاد النبوي ، وهذا ما فعلناه كما سيظهر بوضوح .
7 - نظريتي : الاجتهاد النبوي وعدالة الصحابة ، العلاقة والتأثير
إذا مارسنا تحليلًا للعلاقة بين نظرية الاجتهاد النبوي ومسألة الموقف من الصحابة ، نجد أنّ القول باجتهاد النبي يمثل شكلًا من الاقتراب من تبرير فعل بعض الصحابة ؛ فإذا قال هذا الصحابي - معترضاً على النبي - شيئاً ، فإنّ نظرية اجتهاد النبي سوف تساعد على تفسير موقف هذا الصحابي بأنه اختلاف في الاجتهاد مع النبي ، وليس معارضةً لوحي إلهي ؛ ولهذا نجد في بعض المرويّات ، كما سيأتي بعون الله تعالى ، أنّ بعض الصحابة كان يسأل الرسول - عندما يتكلّم بشيء - عن تحديد هذا الذي يقوله : هل هو من عند الرسول نفسه أم من عند الله ؟ مما يعطي إيحاءً بأن ما لا يكون من عند الله فهو اجتهادات شخصية للنبي يمكن الاختلاف معه فيها ، فقد جاء في بعض المرويات ذلك عن كعب بن مالك أنه قالها لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يعترض النبي أبداً ، بل كان الجو جوَّ فرح وسرور « 1 » . وهذا ما يفسّر أيضاً اقتراح النبي لأمور ثم اقتراح بعض الصحابة لغيرها ، ثم نزول الوحي لتأييد بعض الصحابة في مقترحاتهم دون مقترح النبي ، فإنّ اجتهاد النبي معناه أنّ قضية الاقتراحات تظلّ قضايا بشرية يتساوى أو قد يتساوى فيها النبي مع سائر الصحابة ممّن يملكون الخبرة في هذا المضمار أو ذاك .
هامش
( 1 ) انظر : مسند ابن حنبل 3 : 459 ؛ وصحيح البخاري 5 : 134 ؛ وصحيح مسلم 8 : 110 - 111 ؛ والبيهقي ، السنن الكبرى 9 : 35 ؛ وجامع البيان 11 : 82 - 83 ؛ وتاريخ الإسلام 2 : 657 ؛ والبداية والنهاية 5 : 31 و . .