ولا فرق - في ضوء هذا الاحتمال الأول - بين أن يستهدف النبيّ من ممارسة الاجتهاد إعطاء موقف تشريعي ، أو أن يستهدف إعطاء موقف بصرف النظر عن البُعد التشريعي أو الديني - بتعبير أدقّ - في الموضوع . فالنبي - بالاجتهاد - يتوصّل مثلًا إلى أنّ النخل لا يحتاج إلى تأبير ، ولا يربط قناعته هذه بأيّ موقف شرعي أو طلب أو ما شابه ذلك ؛ إنها قناعة بحدث خارجي . أو مثلًا يحلّل المعلومات الواصلة إليه عن جيش العدو ؛ فيقتنع أنّ عددهم كذا وكذا من الفرسان والرجّالة ، بصرف النظر عن إصداره حكماً قانونياً نتيجة هذه القناعة وهكذا ، فعندما نجعل الاجتهاد خارج إطار النص فهو يستوعب هذه الحالات كلّها ؛ لأنها بأجمعها ليست ممارسة لفهم النصّ ، وإنما تقع خارج أسواره ، سواء أصدر - نتيجة قناعته بشيء ما - موقفاً قانونياً أو دينياً أم لم يصدر شيئاً .
وبعبارة جامعة : إنّ البحث هنا - وفقاً لهذا الاحتمال في تحليل مفهوم الاجتهاد النبوي - يقوم على كلّ ممارسة اجتهادية للنبي في أمرٍ لا نصّ فيه ، سواء رجعت هذه الممارسة إلى أمر ديني وتركت أثراً فيه كإجراء الأصول العمليّة العقلية فيما لا نصّ فيه مثل القياس والبراءة ، أو لم ترجع إلى أيّ شأن ديني ، كما هي الحال في رأيه في تأبير النخل . وسواء أفادت هذه الممارسة الظنَّ للنبي أم أفادته اليقين . أمّا ما يرتبط بفهمه للنصوص الدينية ووعيه للخطابات الشرعية فهذا خارج دائرة بحث الاجتهاد النبوي ، وفق هذا الاحتمال في تفسير هذه المقولة .
ويمكن جعل هذا الاحتمال الأول في صورتين انطلاقاً من اليقين والظن بحيث نحصره بالظنّ في واحدة أو نعمّمه لهما في أخرى .
الاحتمال الثاني : أن يُقصد اجتهاد النبي في النصّ ، بمعنى أن يُفترض رسول الله صلى الله عليه وآله فقيهاً كسائر الفقهاء ، وعندما يُسأل عن موضوع فهو يلاحظ دليله من الكتاب ثم يحكم به ، أي يمارس اجتهاداً في فهم النص ومقاربة فقراته ليصل إلى نتيجةٍ ما .
وعلى هذا الاحتمال ينفتح المجال لصور ثلاث :
الأولى : أن نخصّص عملية الاجتهاد هذه بالنصوص القطعية الصدور والدلالة ،
حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 378
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٧٨