وهذا معناه أنّ كلمة « ما لا نصّ فيه » في الفكر الشيعي لا معنى لها ، أي لا يوجد شيء لا كلام فيه ، وربما لهذا لا يقبل العقل الشيعي بمساحات لا نملك فيها دليلًا شرعياً .
أما الفكر السنّي ، فيرى أنّ عدم وجود نصّ في موضوع معيّن معناه أنه لا دليل مباشر هنا ، ويسمّي هذا « ما لا نصّ فيه » ، ويقبل وجود حالة لا يوجد بأيدينا دليل عليها « 1 » .
لكنّنا نرى أنه يمكن التوفيق بين الفريقين ؛ فإنّ ما لا نصّ فيه في الفكر السنّي تعبير آخر عن حالة فقدان تمام الأمارات غير القياس ، وحيث إنّ الاجتهاد الشيعي لا يعتقد بالقياس الفقهي فإنّ ما لا نصّ فيه عنده يساوي عمليّاً ما لا أمارة فيه .
ويجب أن نعرف أنّ وجود أصل عملي لا يعني وجود دليل على الشريعة ، وإنما هو عدم دليل عليها ، فهو ليس بدليل ، غايته إنما هو موقف لا أكثر ، فأيّ مانع أن نقول : إنّ حالات الأصول العملية هي حالات لا نصّ فيها ، أي لا مؤشّر فيها يكشف عن الحكم الواقعي ؟ !
وبناءً عليه ، يقصد باجتهاد النبي تلك الموارد المستجدّة التي لا يوجد دليل - غير القياس - في كتاب الله أو السنّة عليها يحدّد الحكم الواقعي فيها ، فيعمد النبي صلى الله عليه وآله إلى ممارسة اجتهاد من قبله فيها يقوم :
أ - إما على أساس دراسة شخصية للمصالح والمفاسد ، ويعطي حكماً في ضوئها .
ب - أو على أساس إجراء معطيات عقلية تحدّد الموقف ، مثل أن يبيح لأنّ العقل يحكم بالإباحة حيث لا دليل على التحريم ؛ فهو يطبق الأصول العملية العقلية .
ج - أو على أساس القياس بناء على حجيّته والقول بأنّه فهمٌ مخارج للنص .
هامش
( 1 ) انظر التمييز بين الفكرين : الشيعي والسنّي على مستوى حضور مفهوم الأصول العمليّة في الفكر الشيعي دون السنّي : محمد باقر الصدر ، بحوث في علم الأصول 5 : 9 - 10 .