أولًا : إنّ هذه النصوص تريد بيان أفضلية الأمة ووسطيّتها ؛ وبهذا لا يكون الأمر خاصاً بالصحابة بل بأمّة الإسلام عموماً من جهة ، إلا مع البناء على اختصاص الخطاب بالمشافهين ، كما يكون اللحاظ فيه مجموعياً لا جميعياً ، فعندما يقال : خير أمّة ، يُقصد الأمة بما هي أمة ، لا هذا الفرد أو ذاك ، ومعنى ذلك أنه لا ينتج عن أفضلية الأمة الإسلامية بما هي أمّة أفضلية كلّ فردٍ من أفرادها ، حتى تكون سنّته حجةً « 1 » ، ولا على أفضلية مجموع الصحابة أفضلية كل واحد منهم على حدة .
وقد حاول الشاطبي الخروج من معضل خطاب الأمة دون الأفراد عبر القول بأنّ المعاصرين لزمن صدور الآية هم المخاطبون على الخصوص ودخول غيرهم معهم يحتاج إلى دليل ، ومعه نأخذ بدلالة الآية في الصحابة على نحو الجميعية ، دون حاجة لإدخال الأجيال اللاحقة مع الجيل الأوّل .
ولم يكتف الشاطبي بهذا التقرير ، بل أضاف إليه فكرة الأولوية ، إذ لو تنزّلنا عن الكلام الأوّل فلا شك في أنهم أولى من غيرهم ، ما دامت الأوصاف الكمالية قد ظهرت فيهم ضمن الحدّ الأعلى ، فيكونون أحقّ من غيرهم بهذه الآيات « 2 » .
ويجاب عنه : أما جوابه الأوّل فهو مبنيّ على اختصاص الخطابات أو حجيّة الظهورات بالمشافهين ، وقد ذكر المتأخرون من علماء أصول الفقه بطلان هذا المبدأ ، وحتى لو تمّ - حيث لنا تفصيل في هذا الأمر - لا يشمل إلا المشافهين بالآية الذين سمعوها أوّل نزولها ، لا مطلقاً ، بما يستوعب تمام الصحابة ، فيكون الدليل أخصّ من المدّعى .
وأما جوابه الثاني ، فأقصاه أنّ الصحابة مقدّمون في الاندراج تحت الآية على غيرهم ،
هامش
( 1 ) لعلّ كلامنا يلتقي مع ما قاله كل من : محمد تقي الحكيم ، الأصول العامة للفقه المقارن : 129 - 130 ؛ ومحمد رضا المدرسي اليزدي ، التشيع من رئي التسنّن : 138 .
( 2 ) الشاطبي ، الموافقات 4 : 451 - 452 .