تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
من رأى النبي أو رآه النبي أو التقاه ، كما توصّلنا هناك إلى أنّ المفهوم الأصولي للصحبة - أي الملازمة - هو المفهوم الصحيح الذي ينبغي أن تدور أبحاث هذا الموضوع حوله ، وأنّ الأدلّة الدالة على مكانة الصحابة تدلّ على حُسن حال أكثرهم لا جميعهم ، ولا تدلّ أيضاً على عصمتهم من الخطأ والسهو والنسيان والاشتباه في الأحكام والموضوعات . ثانياً : حتى لو ثبتت عدالة كلّ الصحابة وأصحاب الأئمة لا يفيد هذا الدليل شيئاً ؛ لأنّ أقصى ما يحويه أنهم سمعوا حول هذا الأمر شيئاً ، ولعلّهم اجتهدوا في ذلك فأخطؤوا ، ولا دليل يؤكّد أنهم لم يجتهدوا ، فمجرّد العدالة لا يكفي ، واجتهادهم وإن كان مفيداً لنا على مستوى العملية الاستنباطية في بعض الأحيان ، ولو على نحو المعزّز والمؤيد ، إلا أنه لا دليل على كونه حجّةً علينا ، وإن كان احتمال صحّته ربما يكون أحياناً أقوى من احتمال صحّة اجتهادات التابعين وغيرهم ، فإن الأقوائية لوحدها لا تعطي الحجية بعد أن لم تكن اجتهادات الآخرين حجة ، وبحثنا في حجية قول الصحابي في حقّ المجتهد اليوم ، لا في تقليد العامي للصحابي بوصفه مجتهداً ميتاً . كما أنّ مجرّد معاصرتهم للنبي ومعرفتهم ظرف صدور النصوص لا يعطي قاعدةً في حجيّة آرائهم ، لا سيما وأنّ فريقاً معتداً به من الصحابة ، وطوال القرن الأوّل كان - كما ثبت في مباحث تاريخ التشريع والاجتهاد - يميل إلى الاجتهاد على مسلك المصلحة والرأي وحرية التعاطي مع مفردات القواعد العامّة ، ومعنى ذلك أنه من غير المحرز أنّ هذا الفريق عندما كان يُفتي كان ينظر بحرفية إلى النص النبوي حتى يكون كاشفاً عنه كشفاً أميناً ، بل هو مزيج من القاعدة المأخوذة من النص والتحليل الشخصي في الحالات والظروف المختلفة . وعلى هذا ، فالاحتجاج بأننا لم نطّلع على هذا الأصل أمّا هم فاطلعوا عليه ، في غير محلّه ؛ إذ هذا يجعلنا نعكس الأمر ، ونقول : لو اطّلعنا نحن على هذا الأصل هل كنّا نفهم منه ما فهموه ؟ ولعلّنا نستنتج شيئاً آخر ، واجتهادهم ليس حجةً علينا ، بل هو أوّل الكلام هنا ومركز الخلاف ، لا سيما وأن أهل السنّة المتبنّين - ولو بعضهم - لحجية سنّة