الأخطاء .
ومن خلال ما تقدّم يظهر لنا جلياً أن أحداً من علماء المسلمين وغيرهم فيما رأيناه ووصلنا لم يقدّم تفسيراً مقنعاً لظاهرة المنع من التدوين سواء في العصر النبوي أو بعده ، ولعلّ ذلك لعدم وجود نهي نبوي أساساً ، بل ونحن نشكّك في قرار منع في العصر اللاحق أيضاً كما قلنا ، وعدم وضوح التبريرات يساعد على استبعاد الفرضية نفسها أيضاً وعلى الخروج بفهم آخر لها كما قلناه ، ولعلّه هو مقصود بعض العلماء .
نتائج البحث في العلاقة بين حجية السنّة وتدوينها
المستنتج بعد هذا كلّه ، أنّه إذا وقفت الأدلّة القرآنية والحديثية وغيرها من البراهين والمؤيدات في وجه تفسير ظاهرة عدم التدوين مع هذه الملاحظات المسجّلة بأجمعها ، هل يمكن من الناحية المنطقية رفع اليد عن أدّلة حجية السنّة لصالح مثل هذا الدليل أم لا ؟
الذي نراه هو العدم ، فلا نملك وثائق عن ثقافة استبعاد المسلمين الأوائل للسنّة في مجالي التحديث والتدوين ، وأنّ كلّ ما في الأمر أنّ ثقافة التدوين لم تكن سائدة بقوّة كثقافة التحديث ، نظراً لوضع طبيعي في الثقافة العربية القائمة على الشفوية دون التدوينية ، فجعل عدم التدوين أو التحديث مستنداً لإسقاط حجية السنّة الشريفة غير واضح إطلاقاً .
والذي رأيناه أنّ ما سمّي بقرار المنع وثقافة حظر التدوين أو التحديث ليس له ما يثبته تاريخياً بشكل مقنع ، كلّ ما في الأمر مما نراه المقدار المؤكّد من الوثائق التاريخية هو أن بعض الصحابة كان متشدّداً في قضايا الحديث لا معارضاً لها ، بصرف النظر عن موافقته في تشدّده أو عدم موافقته ، وإلا فلا يوجد ما يؤكّد ثقافة واسعة تتخطى ستة أو سبعة أشخاص من الصحابة ، بل الشواهد على العكس ، فلم تكن هناك ثورة تدوينية ؛ لأن انتقال الثقافة من الشفوية إلى التدوينية يحتاج إلى وقت ومناخات ، فكان من الطبيعي أن تمرّ بضعة عقود قبل ولادة المرحلة التدوينية الحقيقية في الثقافة الإسلامية .