لو كان قرار المنع من التدوين جزءاً من خطّة الهجوم على أهل البيت وإقصائهم لصدرت تعليقات من الأسرة النبوية نفسها حتى القرن الثالث تشير إلى ذلك ، بل حتى متطرّفي الشيعة ومغاليهم لم يتعرضوا لهذا الموضوع في القرون الأولى في سياق التنقيص من الخليفة الثاني أو غيره رغم الجهود المضنية التي بذلوها لتتبّع عثراته .
إنّ هذا كلّه يؤكّد أن التفسير السياسي المذكور هو تحليل واجتهاد افتراضي من الباحثين المتأخرين ولا تدعمه أيّ شواهد تاريخية مقنعة
ب - منع التدوين في سياق ثنائية النص والمصلحة ، العامل الثقافي
التفسير الشيعي الثاني هنا هو تفسير الدكتور علي الشهرستاني ، ويذهب فيه - وسط حديث مطوّل جداً - إلى أنّ سبب المنع يرجع إلى علاقة مسألة السنّة بمسألة اجتهاد الرأي ، وذلك أنّ عمر بن الخطاب كان من أبرز مؤسّسي مقولة الرأي ، أي أنه كان ينحو ناحية إعمال وجهة نظره الخاصّة على النص ، وكان عمر يقود فريقاً من الصحابة ويتزعّم اتجاهاً في أوساطهم يمارس تشخيص المصالح أكثر مما يراعي النص النبوي ، وسبب هذه الظاهرة عند عمر أنه لم يكن مطّلعاً على نصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم قياساً بغيره من الصحابة ، كما تشهد بذلك وقائع تاريخية عديدة ، ومعنى ذلك أنّ عمر بن الخطاب أراد تغليف ضعف معرفته بالدين عبر النهي عن التدوين والتحديث ؛ لأنّ في جعل النص هو المرجع إضعافاً لمكانته ، ولهذا وجدنا أنّ المختلفين مع ابن الخطاب في مسألة المنهج المتبع في فهم الدين كانوا إما أصحاب مدوّنات أو من أنصار البيت الهاشمي .
إذن ، فكأنّ النهي تغطية ؛ إذ مكانة الخليفة سوف تُمنى بضعفٍ ؛ لهذا استبدل النص بالمصلحة ، فالمعركة معركة فريق الاجتهاد وفريق النص ، لا بمعنى عدم حجية السنّة بل بمعنى من يريد تعميتها لعدم كونه قادراً على معرفتها ، وحتى لا يظهر التناقض بين آراء الخليفة وآراء النبي جرى المنع عن التدوين ؛ إذ لم يكن بمقدوره جمع الصحابة كلّما أراد حكماً ، لا سيما مع تواتر المستجدّات بعد الفتوحات ، وعليه لم يكن أمامه مناصٌ من