كتّابٌ تابعون للدولة ، فإذا كان الأمر أنهم لم يكونوا يعرفون الكتابة مطلقاً فلا حاجة للمنع ، بل لا معنى له ، بل سيحلّ المطلوب دون ذلك ، وإذا كانوا يعرفونها ولا يجيدونها فبالإمكان إعلان الاعتماد على من يُجيد ، كزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، تماماً كما حصل مع تدوين القرآن ، فتجربة تدوين القرآن كانت تسمح باتخاذ قرار ضبط في هذا المضمار ، لا اتخاذ قرار بالمنع العام ، ثم لماذا إحراق الصحائف التي كتبها الصحابة مع أنه كان يمكن لخبراء الكتابة مراجعتها وتقويمها دون حرجٍ أو حذر ؟ بل لو كانت هذه هي الإشكاليّة وكانوا يرون حجيّة السنّة فبدل المنع كان من الأجدر بالخلافة الإسلامية أن تقوم بتربية مجموعة من الكتّاب والاهتمام بهذا الأمر حتى لا تضيع الآثار بوفاة الصحابة ، فليفعلوا ما كان فعله الرسول في المدينة ومع أسرى بدر ، فهذا كلّه شاهد على أنّ الموضوع لم يكن قلقاً من أزمة جودة الكتابة في المجتمع العربي ، بل أمر آخر .
وفي الحقيقة ، موضوع كتابة العرب لا ينبغي الإفراط فيه ولا التفريط ، لا القول بأنّ الكتابة كانت رائجةً في زمنهم ، ولا القول بأن الكتّاب كأنهم كالكبريت الأحمر ، من هنا قلنا سابقاً بأنّ وجود بعض الصحائف يدلّ على اهتمامهم بأمر التدوين عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؛ لأن هذا هو ما ينسجم مع الإمكانات آنذاك ، فلا ينبغي اعتبارهم لا قلم عندهم ، ولا القول بكثرة الكتّاب فيهم ، فهذا ما لا شاهد تاريخيّ عليه .
ه - - الحفظ بدل الكتابة
شاع هذا التبرير بين المتأخرين ، وهو يقول بأنّهم إنما منعوا عن التدوين حتى لا تضيع فيهم ملكة الحفظ بمرور الزمن ، فجعل الحفظ بديلًا عن الكتابة « 1 » ، أو يقال بأنّ
هامش
ومحمد عجاج الخطيب ، أصول الحديث : 139 - 146 ؛ ومهدوي راد ، تدوين الحديث : 132 - 140 ، و . .
( 1 ) انظر : أبو زهو ، الحديث والمحدّثون : 123 ؛ وتدريب الراوي : 150 ؛ ومحمد عجاج الخطيب ، السنّة قبل التدوين : 333 ، نقلًا عن منع تدوين السنة للشهرستاني ، وانظر : حجية السنّة : 428 - 429 ؛ وابن حجر ، هدى الساري ( مقدمة فتح الباري ) : 4 .