فيصعب أن لا يميّز المسلمون بين النصّين بعد ألفتهم لنصّ الكتاب « 1 » .
وهذا الكلام فيه قدرٌ من المبالغة ؛ إذ لا يبدو واضحاً هل كان كلّ الصحابة حفّاظ القرآن وتمامه ؟ ! كما أنّ الأنس بالنص القرآني لا يعني أن لا يقع مجال للاشتباه في مقطع أو سطر ، لا سيما وأنّ المعروف تاريخياً - أو المحتمل جداً على أقلّ تقدير - أنّ النصوص النبوية التفسيرية كانت تكتب على صفحة المصحف نفسها ، ولعلّه لهذا قال عمر بن الخطاب - أو غيره - مقولته المشهورة : « جرّدوا القرآن » « 2 » ، في إشارةٍ منه إلى عدم خلط شيء معه في الكتابة ، فاحتمال الاختلاط وارد .
ثالثاً : بقطع النظر عن صحّة نسبة هذا التبرير إلى الخليفة الثاني ، لا يصحّ اعتماد هذا التبرير ؛ لأنه كان بالإمكان فصل الصحائف عن بعضها بحيث لا يكتب القرآن مع السنّة في كتاب واحد أو على صحيفة واحدة ، بل يميّزان ، وكان بإمكان الخليفة أن يعتمد آليةً للتمييز ، كأن يكتب على كلّ صفحة قرآن في أعلاها رمز ، والذي يبعّد هذا الاحتمال أنه لو صحّ هذا لكان ينبغي مشاورة الصحابة في كيفية تدوين السنّة ، بحيث لا يقع هذا المحذور ، لا الاستعجال بالمنع ، كما تفيده النصوص التاريخية ، من هنا فلا يبدو هذا التبرير منطقيّاً ومقنعاً لوحده .
ب - محذور الاشتغال بغير القرآن
التبرير الثاني الذي ذكروه هو خوف الاشتغال بغير القرآن ، والانشغال بذلك عنه « 3 » ، وهذا ما ينسب في بعض المرويات التي أسلفناها إلى عمر بن الخطاب أيضاً « 4 » ،
هامش
( 1 ) الشهرستاني ، منع تدوين الحديث : 38 - 39 .
( 2 ) النيسابوري ، المستدرك 1 : 102 ؛ والصنعاني ، المصنف 4 : 323 ؛ و 11 : 324 - 325 ؛ وابن أبي شيبة ، المصنّف 2 : 381 ، و 7 : 199 ؛ والنسائي ، السنن الكبرى 6 : 240 ؛ والطبراني ، المعجم الكبير 9 : 353 ؛ والزمخشري ، الفايق في غريب الحديث : 179 ؛ وحسن الصدر ، نهاية الدراية : 19 و . .
( 3 ) لاحظ تفسير أحمد أمين ، حيث ذهب إلى أنّ بعض الصحابة كره كثرة الرواية مخافة الكذب على