بالواسطة فلا شك أنه دوّن إلى جانبه ما كان بالمباشرة ، فهل ينسجم ذلك مع هذا التبرير ؟ ! فلو كان شاكاً في صدق الروايات لكان ذلك في مرويات غيره لا مرويات نفسه ، فلماذا أحرق تمام المرويات ؟ !
ثانياً : إنّ موضوع تضارب الروايات موضوع محتمل في حدّ ذاته ، لكننا إذا أبعدناه عن السجال السياسي لا نحتمل أنه كان ظاهرةً ضاغطة عصر أبي بكر ، فلم تكن المرويات قد ظهرت بقوّةٍ بعدُ ، ولو كان هناك تضارب فبالتأكيد كان ما يزال محدوداً في نقطة أو نقطتين ، فإذا كان أبو بكر والصحابة مؤمنين بحجيّة السنّة ، فكيف يمكن اتخاذ قرار بهذه السرعة نتيجة اختلافات بسيطة بين الروايات ما تزال لم تعرف ذاك التضارب الذي شهدته الحقبة الأموية وما بعدها ؟ هذا مضافاً إلى أنّ هذا النص روي بإرسال عن أبي بكر .
ولو سلّمنا ، فلماذا منع التدوين ولم يمنع التحديث ، مع أنّ أبا بكر وعمر نفسيهما قد حدّثا عن النبي ؟ ولماذا لم تمنع عائشة من التحديث ؟ فإذا كان الموضوع موضوع تضارب في النقل ، كان المنطقي أن لا يُسمح لأحدٍ بالتحديث ، وهذا - بالتأكيد - خلاف الشواهد التاريخية ، وسوف تكون لنا وقفة قريباً - بعون الله - مع مسألة حظر التحديث .
د - إشكالية ضعف ثقافة الكتابة والخبرة بها
ذهب إلى هذا التبرير ابن قتيبة وابن حجر « 1 » ، فذكروا أن سبب المنع عن التدوين كان لعدم معرفة الصحابة بالكتابة لهذا منعوا .
وقد تعرّض هذا التبرير لانتقادات - وكثيرٌ منها محقّ - من جانب الباحثين المتأخرين في علوم الحديث « 2 » ، وأبسط تعليق عليه أنّ القرآن قد دوّن ، وأنّ فترة الشيخين كان فيها
هامش
( 1 ) تأويل مختلف الحديث : 366 ؛ وانظر : هدى الساري ( مقدمة فتح الباري ) : 4 .
( 2 ) راجع : هاشم معروف الحسني ، دراسات في الحديث والمحدثين : 15 - 20 ؛ والجلالي ، تدوين السنة الشريفة : 391 - 408 ؛ والأعظمي ، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه 1 : 73 ؛