ورد : أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن ، فاستشار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق يستخير الله فيها شهراً ، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله [ له ] ، فقال : إنّي كنت أريد أن أكتب السنن ، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً ، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً « 1 » ، بل ثمّة في كلمات أبي سعيد الخدري ما يوحي ذلك أيضاً « 2 » .
وقد لوحظ على هذا التبرير :
أولًا : إنّ النص القرآني معجز بليغ فصيح يمتاز عن غيره ويتمايز ، فحتى لو حصل اختلاط في الصحف ، لا يؤدي ذلك إلى اختلاط نص السنّة بنصّ الكتاب ، بل يمتازان عن بعضهما بعضاً « 3 » .
وهذه الملاحظة غير دقيقة ؛ لأنّ الإعجاز البلاغي في القرآن - كما استدلّ على ذلك في مباحث علوم القرآن - يتجلّى في السورة ، وهي مجموعة آيات ، لا في آية أو مقطع صغير منها ، فإنّ إمكانية الاختلاط واردة دون محذور ، وهذا تبرير معقول لمنع التدوين بسبب الاختلاط .
ثانياً : إنّ النص القرآني كان مأنوساً للمسلمين ومعروفاً لديهم يتلونه آناء الليل وأطراف النهار فكانوا يحفظونه ، كما أنّ نقل أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت بالمعنى ،
هامش
والسمعاني ، أدب الإملاء والاستملاء : 165 ؛ وهدى الساري ( مقدمة فتح الباري ) : 4 ، وساسي سالم الحاج ، نقد الخطاب الاستشراقي 1 : 543 ؛ والهزايمة ، دراسات في علوم الحديث : 46 .
( 1 ) الصنعاني ، المصنّف 11 : 257 - 258 ؛ والبغدادي ، تقييد العلم : 49 ؛ والأنصاري الهروي ، ذم الكلام وأهله 3 : 248 .
( 2 ) تاريخ مدينة دمشق 20 : 392 ؛ وذم الكلام وأهله 3 : 242 ؛ وتقييد العلم : 36 - 38 .
( 3 ) الشهرستاني ، منع تدوين الحديث : 37 - 38 ؛ ومهدوي راد ، تدوين الحديث : 128 - 131 ؛ والجلالي ، تدوين السنّة الشريفة : 323 - 324 ؛ وزكريا عباس داوود ، تأملات في الحديث عند السنّة والشيعة : 40 - 41 ؛ وأبورية ، أضواء على السنّة المحمدية : 50 - 51 .