تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
والغريب أنّ الباحثين الناقدين هنا أقرّوا بوجود بعض المسموح من الحديث في زمن عمر ومن بعده ، وهو ما كان في مجال الأعمال والأفعال والفرائض ، وأنّ الممنوع في زمان معاوية والأمويين إنّما هو فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام « 1 » ، فإذا كان الأمر كذلك فهل يقال بأنّ هناك سياسة رسمية تمنع التدوين أو تمنع التحديث ؟ ! بل الأصحّ أن نقول : إنّ السياسة كانت تمنع بعض ألوان التحديث والتدوين ، إن من حيث الأسلوب أو من حيث المضمون ، وأين هذا من وجود ثقافة عامّة في الدولة الإسلامية تحظر التدوين الذي هو محلّ بحثنا هنا ؟ ! فمن الضروري التمييز بين الأمور بدقّة حتى لا نقع في التباس . إنّنا نشك جداً في منع عمر بن الخطاب من التحديث أساساً ، فقد روى هو نفسه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه رواياته موجودة في كتب الحديث ليست بالقليلة أو النادرة ، وإن لم يكن من المكثرين في التحديث ، فقد بلغ مجموع رواياته - على ما قيل « 2 » - 537 حديثاً ، وروى الصحابة في عصره ، كما رويت العديد من النصوص في محضره ، وأخذ بها ولو بعد الإتيان بشاهد في بعض الموارد ، وإذا كانت هناك بعض الروايات القليلة التي تدلّ على منعه من التحديث ، فهي ليست لوحدها ؛ إذ تعارضها روايات أخرى أيضاً كالتي ذكرناها ، ولا أقلّ من أنّ هذه المعارضة تجعلنا على شك من نهي عمر عن التحديث ، أو على قناعة من أنّ نهيه ما كان قراراً عاماً ، ألم ترو بعض شواهد نصوص المنع المتقدّمة أنه كان يقبل الرواية مع شاهد ؟ فلماذا اعتبر وضع هذا الشرط سبباً لجعل التحديث في حكم المستحيل ؟ مع أنّ أكثر الصحابة كانوا في المدينة ، ويمكنهم الاستنصار لبعضهم ، وليس الحال كما في عصر عثمان ومن بعده ، حيث توزّعوا على نطاق واسع جداً ، والشاهد الذي كان يطلبه عمر كان شاهداً لديه ، لا أنه كان يشرط الشاهد حتى لو روى شخصٌ لآخر في فسطاط مصر ، بل أخذه هو بالرواية كان على أساس شاهدين
هامش
( 1 ) تدوين السنّة الشريفة : 476 - 478 . ( 2 ) انظر : أحمد أمين ، فجر الإسلام : 218 .