فقط ، والغريب فيها - رغم أنّ بعضها لا يدلّ كما قلنا - أنّها بأجمعها جاءت مرسلة لأشخاص لم يكونوا موجودين في عصر الحدث أو كانوا صغاراً للغاية ! ! فكيف يكون أمرٌ بهذه العظمة والسعة لم يصل سوى بهذا العدد من الروايات التاريخية القليلة ؟ ! والغريب أنّ العمدة في هذه النصوص هو الخطيب البغدادي وابن عبد البر ، وهما من أبناء القرن الخامس الهجري ، ولم نعثر على هذه النصوص في مصادر الحديث والتاريخ الأساسية عند المسلمين ، سوى نصّ واحد في طبقات ابن سعد ، ولم تتكاثر الأسانيد ، ولم تذكر كتب الشيعة مثلبةً لعمر بن الخطاب في هذا رغم تتبعها عثراته ، فكيف يمكن الاعتقاد بوجود قرار منع حقيقي باسم الدولة الإسلامية في قضية تدوين الحديث ؟ !
إنّني أشكّ جدّاً في هذا الأمر ، وأحسب أنّ بعض هذه الإثارات جاء في عصر الدولة الأموية لصدّ حركة تدوين السنّة الشريفة لأغراض سياسية أو غيرها ، ونسب الأمر إلى عمر بن الخطاب حيث كان لديه رأي متحفّظ من التدوين هو وبعض قليل من الصحابة ، فاستفيد من هذا الرأي وجرى تضخيمه لصدّ الناس عن التدوين ، ولهذا لما جاء عمر بن عبد العزيز لاحظ الآثار السلبية لهذا الأمر ، وغيّر السياسة دون أن يشير إطلاقاً إلى موقف أحد من الخلفاء الأربعة الأوائل .
نعم ، كلامنا هذا متوقف على عدم وجود قرار بمنع التحديث ، وإلا فإنّ منع التحديث يتضمّن بل يفيد بالأولوية منع التدوين ونشر المدوّنات ، وسوف يأتي الحديث عن ذلك قريباً بعون الله تعالى .
6 - هل صدر فعلًا قرار المنع من التحديث ؟ !
تقدّم أنّ أبا بكر أحرق ما كتبه بنفسه في قضيّة شخصيّة صرفة ، ولم يعهد عنه اتخاذ أيّ قرار بمنع التدوين ، لكنّ الشيء الوحيد المأثور عنه هو رواية واحدة تفرّد الذهبي ( 748 ه - ) بذكرها ، وهذا نصّها : ومن مراسيل ابن أبي مليكة أنّ الصدّيق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ، فقال : إنكم تحدّثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً ، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ، فمن