المنع ، ألم يكن الأمر يستدعي توضيحاً ، وكذلك نسخ روايات المنع لروايات التجويز ؟ !
فهذه المعارضة ، مع هذا المناخ المشار إليه يكفيان لوحدهما لإسقاط هذا النوع من الروايات ، ولا أقلّ التشكيك في تمام روايات الموضوع ، لا سيما وأنّ هذا الموضوع كان قد دخل في سياق طرح سياسي ، لهذا ينبغي التوقّف كثيراً في تحديد الموقف من رواياته المتضاربة .
د - وبهذا يظهر أنّه لا يصحّ افتراض النسخ بجعل روايات النهي منسوخة لروايات التجويز ، كما ذهب إليه بعضهم « 1 » ، فإنّه لو كان كذلك فلماذا استمرّ إحجام بعض الصحابة والخلفاء بعد صدور نصوص التجويز في التحفظ عن الكتابة ؟ ولو كان النبي عالماً بإشكاليات الكتابة ثم ارتفعت فجوّزها ، فلماذا تعاطوا مع نصوص التجويز بمنطق التحفظ لعدّة عقود كما يقال ؟ هذا معناه ليس النسخ ، وإنّما فهمهم كون الحكم المانع والمجوّز قد صدرا بملاحظة اعتبارات وقتية قابلة للتحوّل باستمرار ، على تقدير الوثوق بصدور نصوص المنع أساساً ، مع أنّه من غير الواضح كيف أنّ فترات وجيزة جدّاً في مجتمع عربي يقلّ فيه الكتّاب برّرت المنع تارةً والتجويز بعد فترة قصيرة أخرى ، ثم ظلّ الصحابة مختلفين في الأمر ، فلو كانت الاعتبارات الزمنية المتحوّلة هي المرجع لما كان واضحاً هذا التقلّب ، فهل تراجعت الأمّة الإسلامية بعد وفاة النبي حتى يحظر التدوين بعد أن سمح به شخص النبي نتيجة تحسّن وضع الكتابة وما يحيط بها ؟ !
والنتيجة عدم وجود معطيات مقنعة تفيد المنع النبوي عن تدوين الحديث بوصفه قانوناً وقراراً عاماً .
5 - هل كان هناك حقاً قرار بمنع التدوين بعد النبي ؟ !
لم نجد بحثاً مركّزاً حول إثبات ظاهرة المنع بوصفه قراراً رسمياً في عهد الخلفاء
هامش
( 1 ) ابن قتيبة ، تأويل مختلف الحديث : 266 ؛ وأحمد محمد شاكر ، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث : 133 .