وفي خبر آخر لأبي هريرة وأسند إلى ابن عمر وابن عباس : قالا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معصوباً رأسه ، فرقي درجات المنبر ، فقال : ما هذه الكتب التي بلغني أنكم تكتبونها ؟ أكتاب مع كتاب الله ؟ ! يوشك أن يغضب الله لكتابه فيسري عليه ليلًا فلا يترك في ورقة ولا قلب منه حرفاً إلا ذهب به . فقال من حضر المجلس : فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات ؟ قال : من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلا الله « 1 » .
ومن الواضح شدّة النهي النبوي الموجود في هذا الحديث .
لكن يمكن مناقشته :
أولًا : إنّ في السند إلى أبي هريرة عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وقد تقدّم أنّه رجل ضعيف لا يؤخذ بحديثه ، وأمّا السند إلى كلّ من ابن عباس وابن عمر ، ففيه عيسى بن ميمون المدني الواسطي ، وهو ضعيف متروك الحديث وقد غمزوا فيه « 2 » ، فالحديث ضعيف السند .
ثانياً : قد يكون المراد من هذا الحديث عدم خلط القرآن بالسنّة ، بقرينة محض الكتاب وإخلاصه « 3 » .
ولكنّ هذا التفسير غير واضح ؛ فإنّه لو كان الأمر كذلك فلماذا لم تشر الرواية إلى فصلهم السنّة عن الكتاب ؟ ولماذا لم يرشدهم النبيّ إلى هذا الفصل ؟ ولماذا أحرقوا ما كتبوه بدل أن يعيدوا كتابته في صحائف جديدة مفروزة ممتازة عن القرآن الكريم ؟ يبدو لي أنّ هذا أقرب للتأويل منه للفهم العرفي للنصوص .
4 - خبر زيد بن ثابت ، أنّه قال : إنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن لا
هامش
( 1 ) المعجم الأوسط 7 : 287 - 288 ؛ والدر المنثور 4 : 202 ؛ وتقييد العلم : 35 .
( 2 ) انظر : المزي ، تهذيب الكمال 23 : 48 - 52 .
( 3 ) راجع : الجلالي ، تدوين السنّة الشريفة : 300 .