تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجية السنة في الفكر الاسلامي — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
وأعتقد بأنّ نقاد الحديث والسنّة في عصرنا لا يقتنعون بهذا الكمّ القليل من النصوص التاريخية ليثبتوا به أمراً في مواطن أخرى . ب - إنّ رواية النهي النبوي معارضة بروايات أخرى كثيرة فيها حثّ وتجويز للكتابة « 1 » ، وإثبات تأخر المنع عن التدوين في غاية الصعوبة ، وقد كفانا الدكتور الأعظمي مؤنة الردّ على الشيخ رشيد رضا في هذا المجال ، فليراجع « 2 » ، حتى لا نخرج عن محلّ بحثنا ، ويكفينا في حال التعارض فقدان الوثوق ببضعة أحاديث قليلة جدّاً ، وليس فيها سوى حديث واحد صحيح السند على أبعد تقدير . ج - لو كان النهي النبوي موجوداً فلماذا لم يستند إليه أيّ من الصحابة والتابعين في حظره التدوين أو ترغيبه عنه ، عدا ظروف نقل الرواية المتقدمّة عن زيد بن ثابت ، وهي ضعيفة السند كما قلنا ، بل قد ورد أنّ الخليفة الأول أبا بكر كان هو نفسه متحيّراً في إتلاف المدوّنات « 3 » ، فلماذا هذا التحيّر ما دام أمر النهي النبوي عن التدوين لا يخفى على الصحابة ، فكيف بمثل أبي بكر ؟ ! وقد رأينا كلّ المانعين عن التدوين من الصحابة والتابعين وتابعيهم يعلّلون رفض التدوين أو كراهته - مطلقاً أو في الجملة - بتعليلات عقلانية شخصيّة ، ولم يستند أحدٌ إلى النصوص النبوية في شيء ، وحتى عندما رخّص بعد ذلك في التدوين سياسياً وعلميّاً لم يحاول أحد الإشارة إلى المنع النبوي ومحاولة تبرير التجويز في المرحلة اللاحقة على عكس الرغبة النبوية ، إنّ هذا كلّه شاهد وضع هذه الأحاديث القليلة النادرة الضعيفة الإسناد في القرن الثاني الهجري أو قبل ذلك بقليل . وحتى لو اقتنعنا بأنّ ذلك كان لتغليبهم روايات التجويز بوصفها ناسخةً لروايات
هامش
( 1 ) نقلها بالتفصيل السيد الجلالي في تدوين السنّة الشريفة : 47 - 111 . ( 2 ) انظر : الأعظمي ، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه 1 : 79 - 82 . ( 3 ) انظر : تذكرة الحفاظ 1 : 5 ؛ وكنز العمال 10 : 285 .