فالأمر لم يكن سهلًا على مجتمع فقير في هذا المضمار ، على خلاف نصّ الكتاب ، ولهذا استنفر النبيّ الإمكانات البشرية القادرة على التدوين في مجال تدوين الكتاب كونه المعجز والأهم والممكن الضبط ، ولم يكن عنده طاقم واسع وكبير ليلبّي سائر الحاجات على مستوى السنّة ، ومع ذلك وجدنا من دوّن من الصحابة ذكرت أسماؤهم في هذا المجال تراجع في المصنفات المختصّة بتدوين الحديث « 1 » ، بل إنّ بعض الروايات التاريخية التي يستند إليها أمثال المستدلّ على ظاهرة المنع عن التدوين تشير إلى إحراق صحائف الصحابة التي دوّنت فيها الروايات ، مما يدلّ على أنّ بعض النصوص كانت قد دوّنت في العصر النبوي .
ولسنا نريد هنا اعتبار ما قيل عن وجود تدوين بمثابة ظاهرة كبيرة جداً أو ثورة كما حاول ذلك بعض الباحثين ، بل نهدف لفهم هذه الظاهرة في عصرها ، وضمن إمكانات ذلك العصر .
وعبر هذه الامتيازات ، يمكن تفسير الموقف النبوي من تدوين الكتاب والسنّة ، وأنّه لماذا لم نجد اهتماماً نبويّاً قويّاً بتدوين الحديث كما وجدنا في حال القرآن الكريم .
4 - هل نهى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن تدوين السنّة ؟
لا نريد هنا الخوض في مسألة تدوين الحديث والنظريات التي طرحت فيه ، فإنّ هذا الموضوع يوكل إلى دراسة مستقلّة ، وقد كتب الكثيرون فيه ، لكنّنا نهدف هنا إلى الإشارة
هامش
( 1 ) على سبيل المثال : الأعظمي ، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه 1 : 84 - 142 ، وقد ، وقد قام الدكتور محمد مصطفى الأعظمي بالبحث والتقصّي في الوثائق والمرويات التاريخية حول من دوّن الحديث في تلك الفترة إلى 150 ه - ، فبلغ عدد الكتّاب في الصحابة ومن كتب عنهم 52 شخصاً ، مثل : أبي أمامة الباهلي ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي بكر ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي رافع ، وأبي هريرة ، وأبي موسى الأشعري ، وأسماء بنت عميس ، وأسيد بن حضير ، وأنس بن مالك ، والنعمان بن بشير ، وواثلة بن الأسقع .