التدوين - لو كان هناك منع - أو عن سبب تدوين القرآن دون السنّة وأمثال ذلك ، فهي تفسّر اللامبالاة العربية إزاء موضوع التدوين ، لكنها لا تفسّر الموقف السلبيّ منه ، كما لا تفسّر التمييز بين السنّة وبين القرآن كما كان يركّز عليه المستدلّون بقضية التدوين على إنكار حجيّة السنّة ، لهذا فهي تقوم يتقديمنا خطوةً مهمّة نحو الإمام ، لكنّها لا تتمكّن من إيصالنا - لوحدها - إلى الهدف المنشود .
3 - مبرّرات التمييز بين الكتاب والسنّة في التدوين
الملاحظة الثالثة ملاحظةٌ مهمة أيضاً ، وخلاصتها أنّ المستدلّ اعتبر أن التمييز بين الكتاب والسّنة في التدوين شاهد على عدم حجية السنّة فيما الأمر ليس كذلك ، ولا أقلّ من كفاية إيجاد مبّرر منطقي آخر يفسّر هذا التمييز للمستدلّ ، وهذا المبرّر هو وجود ميزات في النص القرآني ، وهذه الميزات هي :
أ - إعجاز ألفاظ القرآن الكريم ، فإنّ سعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم - ثم الصحابة وعلى رأسهم أبو بكر وعثمان ، وأهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم علي بن أبي طالب - لجمع القرآن وتدوينه ، ليس من الضروري أن يكون لحصول القطع واليقين به للأجيال اللاحقة وما شابه ذلك ، بل يمكن جداً أن يكون لأجل إبقاء ألفاظه وكلماته حرفياً كونها تمثل المعجز الخالد الذي يصوّب الديانة الإسلامية ، ولولا سمة الإعجاز في النص القرآني ، لا ندري لعلّه لم يكن اهتمام نبوي بهذا الموضوع ، وهو أمرٌ يجب أن لا يغيب عن ناظرنا ، على خلاف نصوص السنّة ؛ إذ ليس فيها أيّ إعجاز أو شاهد على صوابية الإسلام بما هي هي .
ب - إن ترتيب آيات الكتاب ترتيبٌ توقيفي لا اعتباطي ، وإلا فإنّ ترتيب النزول لم يكن - كما هو معروف - على الشاكلة التي نراها اليوم ، ومعنى ذلك أنّ هذا النص لو بقي نجوماً ومقاطع في الذاكرة الجماعية للمسلمين لفسد هذا الترتيب ، ولأدى ذلك إلى الإخلال بمقصد أساسي في هذا النص .